تاريخية الهيكل اليهودي ( الاول , الثاني )

 



أودّ في هذا المقال أن أقدم دراسة محايدة ومختصرة للوجود التاريخي للهيكل اليهودي ( الاول ، الثاني ) وسوف أنطلق بداية من الهيكل الأول ثم مروراً بالهيكل الثاني 


افتتح هذا البحث بما قاله عالم الاثار الإسرائيلي David Ussishkin في مقاله تحت عنوان Solomon's Jerusalem: The Text and the Facts on the Ground في كتاب Jerusalem in Bible and Archaeology صفحة ١٠٣


يُعَدّ النصّ الكتابي المصدرَ المكتوبَ الوحيدَ الذي يصف عهدَ الملك سليمان المجيد وعاصمتَه القدس. ويُصوِّر القدس في ذلك الوقت مدينةً كبيرةً وغنيةً، تليق بمكانتها كعاصمةٍ لمملكةٍ عظيمةٍ ومزدهرة، وملكٍ عظيم. ويُخبرنا النصّ أن سليمان وسَّع البلدةَ الصغيرة، أو القلعةَ التي ورثها عن أبيه، والمعروفة باسم «حصن صهيون» أو «مدينة داود»، وضمَّ جبلَ الهيكل إلى المدينة الموسَّعة. وهناك بنى قصرًا ملكيًا كبيرًا (1 ملوك 7: 1–12)، ومعبدًا أصغرَ حجمًا ولكنه فخمٌ إلى جواره


كما يُخبرنا النصّ أن سليمان سدَّ «ثغرات» مدينة داود (1 ملوك 11: 27)، وأحاط القدس بسورٍ (1 ملوك 9: 15). وبنى أيضًا «المِلو»، وهو على ما يبدو بناءٌ أو مجموعةُ مبانٍ قائمةٌ على حشواتٍ إنشائية (1 ملوك 9: 15، 24؛ 11: 27). ويؤكِّد النصّ على الفخامة والبذخ في كل ما أراد الملك سليمان بناءه في القدس (1 ملوك 9: 1)


فالمصدر الأساسي لنا عن قصة سليمان والهيكل يرجع تاريخه حسب ما ذكر  Tremper Longman III و Raymond B. Dillard في كتابهم An Introduction to the Old Testament صفحة ١٧٢ 


يُطلق الباحثون على الأسفار الممتدة من يشوع إلى الملوك اسم «التاريخ التثنوي» (Deuteronomistic History - DH)، نظرًا لما تحمله من بصمة واضحة لتأثير سفر التثنية في لاهوتها وموضوعاتها ومفرداتها. وقد أرجعت الدراسات النقدية تاريخ تدوين سفر التثنية إلى عهد الملك يوشيا، إذ إن «كتاب الشريعة» الذي عُثر عليه في الهيكل سنة 621 ق.م. شدّد على مركزية العبادة في إسرائيل (تثنية 12) 


ويذكر أيضا عالم الكتاب المقدس الامريكي Brevard S. Childs في كتابه Introduction to the Old Testament as Scripture صفحة ٢٨٨ 


من الواضح أن كُتب الملوك لا تمثل سوى عرضٍ هيكلي موجز لتاريخ يمتد من اعتلاء سليمان العرش حتى تدمير أورشليم سنة 587 ق.م. ومن أبرز السمات اللافتة هو مبدأ الانتقاء الواعي الذي يسود الكتاب كله




فمن خلال هذا الرسم البسيط يمكننا القول أن تاريخ ظهور التقليد ثم اعادة تدوينه تعود الى فترة القرن السادس قبل الميلاد إي انه بالفعل يمكننا القول بوجود مركزية عبادة في مدينة اورشليم ( القدس ) تلك المدينة التي وضع التي تنسب اللى الملك داود "وَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ." (2 صم 5: 7) ونعرف من وجودها تاريخياً من خلال نقش تل القاضي Tel Dan stele الذي يعود الى القرن التاسع قبل الميلاد وجود بيت داود




 فهي مصدر العبادة في هذه الفترة ونعرف ايضا من خلال وصف حزقيال للهيكل كما جاء في سفر حزقيال 41 انه كان معروف للقاريء او السامع في عصره تقسيم الهيكل والأدلة الاثرية تؤكد وجود هذه المدينة ومركز عبادتها حسب ما ذكر قاله عالم الاثار الإسرائيلي David Ussishkin في مقاله تحت عنوان Solomon's Jerusalem: The Text and the Facts on the Ground في كتاب Jerusalem in Bible and Archaeology صفحة ١٠٦ 


تشير الأدلة الفخارية إلى أن هذه المدينة الكبيرة تأسست في وقت لا يتجاوز القرن الثامن قبل الميلاد. يشبه الفخار المكتشف هنا فخار المستوى الثالث في تل لخيش. يُعد تل لخيش، الذي قضيت فيه سنوات عديدة من أفضل سنوات حياتي، الموقع الرئيسي للعصر الحديدي في يهوذا. دُمر المستوى الثالث على يد جيش سنحاريب الآشوري عام 701 قبل الميلاد. لذلك، فإن مجموعة الفخار الكبيرة المدفونة تحت أنقاض الدمار مؤرخة بدقة، وتساعدنا في تحديد تاريخ مجموعات فخارية مماثلة في مواقع أخرى


فمن خلال هذه الادلة نستطيع ان قول بوجود هيكل كان يتعمد له اليهود قبل دماره على يد جيش نبوخذ نصر الملك البابلي كما ذكرت لنا عالمة الآثار البريطانية Kathleen Kenyon في كتابها Digging up Jerusalem وايضا الذي قدمه عالم الاثار الإسرائيلي Yigal Shiloh في Excavations in the City of David


تعود الفترة الثانية الكبرى لاستيطان القدس الكتابية، كما تشير الأدلة الأثرية، إلى الجزء الأخير من العصر الحديدي (القرنين الثامن–السابع قبل الميلاد). في ذلك الوقت كانت القدس عاصمة مملكة يهوذا، ودُمِّرت سنة 588/586 قبل الميلاد على يد الجيش البابلي بقيادة نبوخذنصر. خلال هذه الفترة، توسعت القدس لتصبح مدينة كبرى، وعاصمة مركزية في يهوذا. وكانت القدس في ذلك الوقت تمتد على كامل مدينة داود، وجبل الهيكل، والتل الغربي، الذي يُشكّل اليوم منطقة الحي اليهودي والحي الأرمني في المدينة القديمة 


وعن الهيكل الثاني ففي الحقيقة الأدلة أقوى بكثير فتذكر عالمة الأثار الامريكية Jodi Magness في كتابها  The archaeology of the Holy Land : from the destruction of Solomon’s Temple to the Muslim conquest صفحة ١٨


ففي 586 ق.م. سقطت مملكة يهوذا بيد البابليين، ودُمرت القدس وهيكل سليمان (الهيكل الأول)، ونُفي النخبة اليهوذية إلى بابل. بعد ستين عامًا، سمح الملك الفارسي كورش للمنفيين بالعودة إلى يهوذا وإعادة بناء هيكل القدس، مما يمثل بداية فترة الهيكل الثاني


ونستطيع تأكيد ذلك من خلال اكتشاف القطعة الاثرية أسطوانة قورش Cyrus Cylinder



فكما ذكر استاذ العهد القديم الامريكي David M. Carr في كتابه THE FORMATION OF THE HEBREW BIBLE صفحة ٢٠٦ 


يبدو أن الفرس لعبوا دورًا في دعم إعادة بناء هيكل القدس وإعادة تأسيس كهنته. وفقًا للنصوص التوراتية، تُعد إعادة بناء الهيكل الحدث الأبرز في فترة ما بعد السبي الفارسي، ويُظهر ذلك بشكل واضح في وصف مفصل في سفر عزرا (عزرا 3:1–6:18؛ 5:47–7:9)، وكذلك في مناقشات سفري حجي وزكريا (حجي 1:1–2:19؛ زكريا 4:1–10، مع الإشارة أيضًا إلى عزرا 5:1 و6:14).


وماجاء بعد ذلك من كتابات المؤرخين على سبيل المثال ما فعله هيردوس في الهيكل حسب ما ذكر يوسيفوس ونقله عالم الاثار المريكي Jack Finegan في كتابه THE ARCHEOLOGY OFTHE NEW TESTAMENT The Life of Jesus and the Beginning of the Early Church


كما قال يوسيفوس (الحرب 1:121، الفقرة 401)، من أجل توسيع منطقة الهيكل، كان على هيرودس بناء جدران أساس جديدة. في مقطع آخر (الحرب 5:5، الفقرة 188)، يذكر المؤرخ نفسه أن الجدران بُنيت في الأماكن التي كانت فيها الأساسات منخفضة من عمق يصل إلى ثلاثمئة ذراع أو أكثر، إلا أن هذا العمق لم يكن واضحًا بالكامل لأن الأودية قد تم ملؤها إلى حد كبير. 


من الواضح أن هذه الأساسات قد وُضعت على منحدرات وادي قدرون من الشرق وتيروبويون من الغرب، وهذا هو المكان الذي توجد فيه الجدران الحالية لمنطقة الهيكل. عند الزاوية الجنوبية الشرقية، ترتفع منطقة الهيكل الآن حوالي أربعين قدمًا فوق مستوى الأرض الخارجي، لكن منحدر الوادي قد تم بناؤه بشكل كبير على مر الزمن. بنيت رواق ملكي (ή βασίλειος στοά) يتكون من أربع صفوف من الأعمدة وثلاثة ممرات، يمتد من الوادي الشرقي إلى الوادي الغربي، أي من قدرون إلى تيروبويون. 


ويقول يوسيفوس إن الشخص الذي يصعد إلى السطح العالي لهذا الرواق وينظر إلى أسفل نحو الوادي، ويعني بذلك وادي قدرون من الشرق، "سيشعر بالدوار ولن تتمكن رؤيته من الوصول إلى نهاية هذا العمق الشاسع" 


فمن خلال هذه الدراسة المختصرة نستطيع أن نصل الى القول بوجود مركز عبادة لليهود في اورشليم في فترة ما قبل السبي وتأكيد وجود الهيكل الثاني في فترة ما بعد السبي حتى دمار اورشليم سنة ٧٠ ميلادياً 

ما المعنى ؟




سؤال البحث عن معنى هو شيء يحاول به الإنسان أن يملأ فراغ قلبه ويبحث عن غاية لوجوده فيقول الفيلسوف اليوناني ارسطو في كتابه مابعد الطبيعة المقالة الثالثة


" معرفة الغاية والخير تشبه الحكمة " 


فالهدف الانسان الأول هو السؤال عن الغاية ويطرح ذلك ايضا الفيلسوف الالماني فيورباخ في كتابه جوهر الدين في فصل اللغة الدين ويقول : 


" نظر الإنسان إلى ذاته فوعى وجود كينونته؛ ثم عرف أنه فاعل وأنه بحاجة إلى أشياء مختلفة. وهكذا، اخترع غاياته بشكل مستقل؛ وكانت الغايات» أهم شيء عنده لأنها سمحت له بتفسير فعل كل ما هو قادر على الفعل " 


فالهدف من سؤال إنسان هو الوصول الى - > الغاية 


وهذه الغاية ستصل بنا للرد على سؤال الإنسان الأكبر " لماذا نحن هنا " وهذا السؤال الذي ارق الانسان العاقل الذي جعله ينطلق باحثاً عن هدف او عن ذات اخرى يتجه لها فكما تقول الراهبة الكاثوليكية السابق كارين أرمسترونج في كتابها الله والإنسان - ص ١١


" كشفت دراستي لتاريخ الدين أن الكائنات البشرية هي حيوانات روحانية. في الحقيقة هناك قضية للجدال أن الإنسان العاقل Homo Sapiens هو أيضاً Homo religious الإنسان المتدين بدأ الرجال والنساء عبادة الآلهة حالما أصبحوا بشراً. لقد ابتكروا الأديان في الوقت نفسه الذي ابتكروا فيه لوحات فنية" 


وقد اكتشف أفلاطون الفيلسوف اليوناني ذلك وقال في المحاورات 


" إن أعظم الخيرات تأتينا عن طريق نوع من الجنون يمنحه الإله " 


فالإنسان يشعر بنوع من الاغتراب الذي به طرح سؤال الغاية الذي سيصل به للهدف من وجوده الذي به يعطي معنى ومن هنا شكل الإنسان الالهة من خلال كينونته هو فكما يذكر لنا الفيلسوف الامريكي كيلي جيمس كلارك في كتابه الله والدماغ - ص ٧٢ 


" أن الدماغ يجعل الناس يمليون أو ينزعون إلى الاعتقاد بالله نزوعا طبيعيًا؛ إذ تحفز الأدمغة العادية الناس العاديين في الظروف العادية على الاعتقاد بالله" 


هل الإنسان في ذاته يبحث عن الإله والميتافيزيقيا كما قال ايمانويل كانط في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب نقد العقل المحض 


" لقد كان عليَّ إذاً أن أضع العلم جانباً لكي أحصل على مكان للإيمان "


فهل سؤال الإنسان عن الغاية اظهر لنا الالهة التي هي اصبحت جزء من طبيعتنا وهي في الاصل انعكاس لذواتنا ومنها نأخذ هدف الحياة الذي ظل الانسان يبحث عن اجابه له وبعد ظهور العلم تقهقر الله وتراجع ونحتاج اذا لنفي العلم من اجل الايمان بالله ؟ 


ربما كان ذلك صحيحاً فلم يكن عند الفلاسفة جواب سوا هذا كما قال بليز بسكال في كتابه الخواطر فقرة ٢٤٢ 


" اني لأعجب لهؤلاء الناس باية جسارة يتكلمون عن الله . فهم ، اذ يوجهون كلامهم الى الملحدين ، يشرعون في الدلالة على وجوده بصنائع الطبيعة . وما كنت لادهش لعملهم لو كانت اقوالهم موجهة الى المؤمنين ، لانه من الثابت ان الذين عمرت قلوبهم بالايمان الحي يرون فوراً ان كل ما وجد انما هو من صنع الاله الذي يعبدون "


فهل الايمان الاعمى هو السبيل الوحيد الله !؟ الذي كان في الاصل ناتج عن ذواتنا التي هي متعطشة للبحث عن اجابة عن سبب وجودها في هذه الحياة ؟ فهل لولا جهلنا بالهدف لما كان هناك الله ؟ 


هل سوف نقول مع البارون دي هولباخ ان الله هو ناتج بشري فقط كما قال في كتابه نظام الطبيعة


" نرى أن البراهين على وجود ذكاء سيادي، ومستمد من النظام، والجمال، وانسجام الكون هي براهين مثالية تماما، وليست حقيقية إلا بالنسبة لأولئك الذين ينتظمون، ويتغيرون وفق وضع معين، أو من بني خيالهم المبهج الخلق كائنات خيالية مقبولة، وينمقونها بحسب خيالهم " 


فاذا اين الحل ؟ سوف اجيبك بالذي قاله سارتر في كتابه الوجودية مذهب إنساني


" إن الجبان يجعل نفسه جباناً، والبطل يتصرف تصرف الأبطال ، لكن الجبان يستطيع أن ينبذ جبنه ، والبطل قد يتخلى عن بطولته " 


الغاية والمعنى تخرج من ذات الإنسان وليس من مصدر خارجي صنعه الإنسان بنفسه ليعكس افتقاره والحاجة للاجابة عن سؤال ما الهدف من وجودي . 

قراءة مختصرة لكتاب "دروس في الفلسفة" (يوسف كرم – إبراهيم مدكور)





في هذا العمل الذي أقدم على تقديمه علمين من اعلام الفلاسفة المصريين ( يوسف كرم ، إبراهيم مدكور ) كنوع من التلخيص لمفهوم الفلسفة ومنهج الاستدلال عند الفلاسفة بداية من ظهور الفلسفة الى ظهور منهج ايمانويل كانط 


في البداية نرى تعريف الفلسفة كما دونها المؤلف فيقول :


الفلسفة لفظ مُعرَّب عن اليونانية، وهو في هذه اللغة مُركَّبٌ يُراد به : محبة الحكمة، والحكمة في ذاتها : أرقى أنواع المعرفة؛ لأنها تتناول المسائل الكبرى العويصة الدقيقة، وبالنسبة إلى الشخص المُتَّصِف بها : ملكة تكسبه جودة الحكم، وحسن التصرف. ( ص ١٣ ) 


وظهرت الفلسفة بأشكال مختلفة وكانت بدايتها حين تسائُل  الانسان وظهرت الفلسفة في الشرق الادنى القديم ومصر وبلاد الهند والصين قبل ظهورها في بلاد اليونان كما يذكر في الباب الثالث في الفصل الاول ويقول : 


أنَّ الشرقيين عرفوا معظم الأفكار الفلسفية، وأن الهنود بنوع خاص زاولوا النظر العقلي المجرد، وبلغوا فيه شأوا عاليا، ولكن تفكيرهم جميعا كان عبارة عن تمحيص الدين وإصلاحه فإن خرج عن ذلك وحاول معرفة لا تتصل بالدين فقارب الفلسفة، تعثر في سيره ووقف دون الغاية، وكان علمهم تجريبيا بحتا، ففي الحالين أعوزهم المنهج الفلسفي القائم على الحد والاستدلال واليونان وحدهم هم الذين أفلحوا في عُبور الهوة الفاصلة بين التجربة من جهة، والدين من جهة أخرى، وفي إقامة الفلسفة أي : العلم بالماهية، والعلة بناء على مبادئ وقوانين وقواعد ( ص ٣٤) 


وكان انطلاق الفلسفة بمعنى الفلسفة التي الهدف منها السؤال والبحث في طبيعة الاشياء بشكل عقلي مع اليونانيين كما ذُكر في الاقتباس السابق وذهب اليونانيون للبحث عن الاسباب الطبيعية للاشياء كما قال :


نقصد بهم أربعة نبغوا في «أيونية»، وكانت مستعمرة زاهرة على شاطئ آسيا الصغرى، أنشأها فريق من الأيونيين وهم أنجب القبائل اليونانية) في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبلغوا فيها درجة عالية من الثراء والثقافة، فيها نظمت الإلياذة والأوذيسة، وفيها بدأت الفلسفة على أيدي هؤلاء الأربعة، الذين نشأ ثلاثة منهم في «مدينة ملطية» فعرفوا باسم المدرسة الملطية»، وهم : طاليس، وإنكسيمندريس وإنكسيمائس»، ونشأ الرابع في مدينة أفسس»، وهو : «هيراقليطس»، ويُدعون جميعًا بالأيونيين ( ص ٤٥ ) 


استوقفهم ما رأوه في الطبيعة من تحول الأشياء بعضها إلى بعض كتحول الماء إلى سحاب، والسحاب إلى ماء، وتحول الغذاء إلى جسم الحي، والحي إلى مادة لا حياة فيها، وهكذا. وبدا لهم أن يُفسّروا التحول بأنَّه انتقال مادة أولى من حال إلى حال، بحيث تكون الأجسام المختلفة حالات لتلك المادة الأولى، فتتكون منها وتعود إليها ولا تزيد عليها إلا ظواهر عرضية.( نفس الصفحة ) 


وبعد عصر هؤلاء الاربعة ظهر لنا مجموعة اسم الفيثاغوريون الذين رأسهم هو فيثاغورس واستخدموا الرياضيات كمنهج لهم في شرح الطبيعة وقام بوضع نوع من الطقوس الدينية لعمله


كان فيثاغورس (٥٨٢-٤٩٧) وتلاميذه يضعون العلوم الرياضية في إيطاليا الجنوبية أو اليونان الكبرى - على حدّ تسمية الرومان لهذه المنطقة العامرة بالمهاجرين من اليونان، جاءها فيثاغورس من «ساموس» مسقط رأسه، وكانت جزيرة أيونية مشهورة ببحريتها وتجارتها وتقدم الفنون فيها، أو جاءها بعد أن جال أنحاء الشرق في طلب العلم، وهذا هو الأرجح.( ص ٥٥ ) 


كان رياضيا بارعًا، كما كان قوي العاطفة الدينية، فجمع بين العلم والدين، وأسس جمعية دينية علمية مفتوحة للرجال والنساء من اليونان والأجانب على السواء، ونظمها تنظيمًا دقيقا بقانون ينص على المأكل والملبس، والصلاة والترتيل، والدرس والرياضة البدنية، كما كان مقتنعًا بأنَّ العلم وسيلة فعالة لتهذيب الأخلاق وتطهير النفس، فجعل منه رياضة دينية إلى جانب الشعائر، ووجه تلاميذه هذه الوجهة؛ فاشتغلوا بالرياضيات والفلك والموسيقى وبالطب أيضًا  ( نفس الصفحة ) 


وظهرت مجموعات اخرى من الفلاسفة الايليون والطبيعيون المتاخرون والسفسطائيون ولكننا سوف نقفز فوق كل هؤلاء ونذهب مباشرة نحو مؤسس الفلسفة الغربية سقراط فيقول عنه :


ولد سُقراط في أثينا سنة (٤٦٩) ، وغلبت عليه العناية بالمسائل الأدبية والخلقية والاجتماعية التي كان يُثيرها السُّوفسطائيون، واتَّخذ لنفسه فيها موقفًا مُعارضًا لموقفهم، وجادل مثلهم ، وقضى في ذلك حياة امتدت إلى السبعين، ولم يكتب شيئًا ( ص ٧٨ ) 


وكان سقراط يعتمد في اسلوبه على التهكم ثم السؤال ثم تفكيك الحجة وفي النهاية النتيجة فيقول : 


ففي الدور الأول : كان يتصنع الجهل، ويتظاهر بتسليم أقوال محدثيه، ثم يلقي الأسئلة والشكوك، حتى ينتهي بهم إلى التناقض، ويحملهم على الإقرار بالجهل، وفي الدور الثاني : يلقي الأسئلة أيضًا مُرتبة ترتيبا منطقيا، ولكن ليساعد محدثيه على الوصول إلى الحقيقة، فيصلون إليها ، وكأنهم قد استكشفوها بأنفسهم، وكان يستخدم الاستقراء فيتدرج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها، ويحاول حد هذه الماهية ( ص ٧٩ ) 


وبالطبع سقراط كان له تلاميذ ولكن سوف نركز على الاهم فيهم وهو افلاطون الذي يعتبر الضلع الثاني من اضلع الفلسفة فيقول عنه :


ولد أفلاطون في أثينا سنة (٤٢٧) في أسرة شريفة كبيرة النفوذ، أسرة شريفة كبيرة النفوذ، أخذ بنصيب وافر من الأدب اليوناني والعلوم الرياضيَّة، ثم قرأ كتب الفلاسفة واستمع إلى أحد أتباع هيراقليطس، ولما ناهز العشرين عرف سقراط فأعجب به، ولزمه إلى النهاية ثماني سنين ( ص ٨٧ ) 


وكانت اهم نظريه له هي المُثل بأنه يوجد ماهو اعلى من العالم المادي أو الحواس البشرية 


وفكر أفلاطون فوجد أنه إذا كانت المحسوسات متغيرة؛ فإنَّها مع ذلك تبدو لنا في صور كلية ثابتة هي الأنواع والأجناس وتتماشى مع قوانين ثابتة، وأنَّ هذه الصورة الكلية وأخرى غيرها تفيد في الحكم على المحسوسات، وتعين على فهمها، مثل قولنا عن صوت وعن لون مثلا : إِنَّ كُلا منهما عين نفسه وغير الآخر، وإنَّ كُلا منهما واحد، وإنهما اثنان، وإنهما متباينان، وقولنا عن شيء إنَّه إنسان أو حيوان، وإنَّه كبير بالإضافة إلى آخر ، صغير بالإضافة إلى ثالث، وغير ذلك من الصفات كالجمال والخير والعدالة، وهي جميعا مستقلة عن الأجسام ليست لها بالذات، ولكن الأجسام تشارك فيها قليلا أو كثيرًا ولا تبلغ أبدا إلى تحقيقها كاملة كما هي في العقل، فليس في المحسوسات ما هو الإنسان» إطلاقا أو الخير أو الجمال ( ص ٩٠ ) 


وكان يرى افلاطون ان الانسان مكون من الثنائية ( النفس ، الجسد ) وان الجسد هو ناتج عقاب لما فعلته النفس البشرية فهبطت وحُجزت في هذا الجسد كما اقتبس المؤلف من افلاطون :


إنَّ النفس كانت أول أمرها في العالم المعقول خالصة من الجسم والمادة، تشاهد المثل في صحبة الآلهة، ثم ارتكبت إثما فكان عقابها الهبوط إلى الجسم، فغشت كثافة مادته على بصيرتها وأنستها علمها، غير أن الحواس إذ تظهرها على الجزئيات تنبه فيها علمها القديم، وتستحثها على استكماله ( ص ٩٣ ) 


فكان منهج افلاطون دائما هو نظر لما بعد الاشياء وليس التوقف فقط المحسوسات بل كان يرى ان كل شيء في هذه الحياة هو مثال مشوه لشيء اخر اعلى واكمل في عالم اخر ولكن كان للضلع الثالث والاهم اذا اردنا القول وهو ارسطو رأي اخر فارسطو هو ابو علم المنطق فنرى ما قدم لنا الكاتب بخصوصه :


ولد أرسطو سنة (٣٨٥) في مدينة أسطاغيرا على حدود مقدونية، وكان أبوه طبيبا للملك المقدوني أمتناس الثاني أبي فيليب أبي الأسكندر، ولما بلغ الثامنة عشرة قَدِمَ «أثينا» لاستكمال علمه فدخل الأكاديمية، وما لبث أن امتاز بين أقرانه، فسماه أفلاطون العقل»؛ لفرط ذكائه و القراء» لسعة اطلاعه ( ص ١٠١ ) 


فقدا انكر ارسطو طرح افلاطون بخصوص ان الموجودات لها اشباح وركز اكثر على طبيعة الاشياء في صورتها فيقول المؤلف :


أنكر أرسطو هذه النظرية أشدَّ الإنكار، وأسهب في نقدها، ونحن نقتصر هنا على حجتين من حججه الكثيرة :  الأولى : إنَّ المادة جزء من المحسوسات، فلا يُوجد إنسان مثلا إلا في لحم وعظم، ولا شجر إلا في مادة معينة ، الحجة الثانية : إنَّ من المعاني الكلية ما يدلُّ على أشياء موجودة بغيرها ، فلا يمكن أن يقابلها مثال ( ص ١٠٤ ، ١٠٥ ) 


وفسر الاشياء حسب طبيعتها وصورتها الموجودة في العالم المحسوس كما قال المؤلف :


إنَّ الصورة هي المثال الأفلاطوني أنزله أرسطو من السماء وردَّه إلى الأشياء، فصارت هذه حقائق بعد أن كانت عند أفلاطون أشباحا ومادة تشارك في المُثل ( ص ١٠٦ ) 


فكان مذهب سقراط هو السؤال والتفكيك ومذهب افلاطون هو البحث فيما فوق الاشياء ومنهج سقراط هو تحليل الموجودات بشكل مادي ومنطقي وبعد ذلك تأتي لنا مدارس اخرى في نهاية حقبة الفلسفة اليونانية ظهرت لنا فلاسفات مثل ( الابيقورية ، الرواقية ، مدرسة الاسكندرية ) وكل هذه سوف نتطرق لها فيما بعد ولكن سوف نقفز حتى على الفلسفة المسيحية والاسلام لان التركيز الان هو عن الفلسفة الخالصة التي لم تتأثر بالدين وسوف يكون لها بحث خاص بها وسوف انطلق الى ظهور الفلسفة الحديثة 


قضت الإنسانية تسعة قرون أو يزيد مُردّدة للدراسات اليونانية ومشيدة بذكرها، وبذلت جهدًا عظيمًا في أثناء القرون الوسطى في تفهمها فترجمتها إلى اللاتينية أو العربية، ثم علقت عليها، وشرحتها، أو اختصرتها وهذبتها، وقد نجحت نجاحًا كبيرا في تقسيم هذا التراث العظيم وترتيبه وتبويبه  ( ص ٢٢٩ ) 


وظل العقل الفلسفي هكذا الى ان ظهرت عقول عصر النهضة كما ذكر في الكتاب 


لم تكن النهضة الأدبية الفنية الآنفة الذكر بمعزل عن نهضة أخرى علمية غذتها، وأفسحت لها السبيل، بل لقد كان بين الأدباء والفنانين أنفسهم علماء قاموا ببعض التجارب والملاحظات.  وأضحت الطبيعة شغل الأديب والفنان والعالم على حد سواء، كُل يريد التعبير عنها وتحديد معالمها على طريقته الخاصة، وإذا كان هناك شيء يميز رجال عصر النهضة بوجه عام فهو نزعتهم الطبيعية البالغة حدها  ( ص ٢٤١ ) 


وكان الرجل الذي قام بثورة الشك اخر شخص تتصوره وهو مارتن لوثر الذي ندى بالحرية والاستقلالية : 


وقد تزعم هذه الحركة الإصلاحية الراهب الألماني مارتن لوثر»  (1483-1546 ) الذي ثار ضد صكوك الغفران وبيعها وحمل على الكنيسة وسلطانها ، ونادى بحرية الفرد واستقلاله وقدرته على أن يتصل بربه مباشرة دون حاجة إلى وساطة راهب أو قسيس، خصوصا والإنجيل بعد ترجمته إلى اللغات الأوربية الحديثة أصبح في متناول الجميع ( ص ٢٤٦ ) 


ومنها انطلق المفكرون في انشاء مناهجهم الخاصة وعلى راسهم فرانسيس بيكون فيقول المؤلف :


ولد فرنسيس بيكون بلندن في الثاني والعشرين من شهر يناير سنة (١٥٦١م) من أبوين كريمين، فقد كان أبوه من كبار رجال القانون والسياسة الإنجليزية في القرن السادس عشر، وكانت أمه من أسرة عريقة وعلى درجة من الثقافة الدينية والعلمية لا بأس بها، فأخذت تنشئ ابنها منذ الطفولة تنشئة صالحة ( ص ٢٦٧ ) 


ويمكننا القول ان بيكون هو ابو منهج العلم الحديث لان فلسفته تعتمد في الاصل على التجربة بعد رفضه للقياس ومنهج ارسطو :


ثم جاء بيكون متمما لهذه الشعبة، فحقَّر القياس المنطقي، وحمل عليه حملة قاسية، ولاحظ أنه وسيلة عقيمة في كثير من وجوهه ؛ لأنَّك مضطر أن تسلم بمقدماته تسليما لا يجوز الشَّكُ فيه، ولئن نجح في ربط الأفكار بعضها ببعض؛ فإنَّه لا سبيل له مطلقًا إلى كشف أفكار جديدة، ولا يستطيع إثبات المبادئ العلمية، بل المقدمات والنتائج لديه سواء. أما التجربة ؛ فهي المُعلِّم الصادق، والوسيلة الناجعة ؛ لفهم الظواهر الكونية، ومن شاء معرفة الطبيعة؛ فليرجع إلى الطبيعة نفسها  ( ص ٢٧٦ ) 


وحتى لا اطيل عليكم جاء ديكاردت ومنهج الشك الخاص به وبعد ذلك من الفلاسفة الذين وضعوا مناهج سوف اتحدث عنها بشكل مفصل في وقت لاحق 

بحث هذه المدونة الإلكترونية