‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات فلسفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات فلسفية. إظهار كافة الرسائل

هل ننجو من الموت ؟ نقاش برتراند راسل لحجج القس بيرنز

 


هل ننجو من الموت ؟ بمعنى هل الموت هو نهاية الطريق ام هناك حياة أخرى ؟ كان هذا السؤال من الأمور التي ناقشها راسل في كتابه ما الذي اؤمن به ولكن قبل الشروع في عرض هذه المناقشة يجب اولاً ان نقول انه منذ البداية لم تكن فكرة الموت تضايق الانسان البدائي نوعاً ما [1] ولكن  مع تطور الحضارات والفكر البشري وسهولة المعيشة اصبح الانسان يتسأل عن الموت واهتمامه بوجود حياة أخرى ام ان الموت هو نهاية المطاف [2]واختلفت الآراء بين الفرق المختلفة عن مفهوم الحياة بعد الموت [3].

 

ويناقش راسل مقال لقس يدعى بيرنز وقد نشر هذا المقال سنة 1936 في كتاب اسرار الحياة والموت 

 

يبدأ راسل في البداية بمناقشة مفهوم الفلاسفة السابقين عن ثنائية الروح والجسد فيقول ( ص 123 ) : 

 

قبل أن نناقش بشكل ملائم ما إذا كنا سنستمر في الوجود بعد الموت، سيكون أمراً حسناً أن نوضح ما معنى أن يكون المرء اليوم ذات الشخص الذي كانه البارحة. اعتاد الفلاسفة القول إن هناك جواهر محددة، الروح والجسد، تدوم من يوم إلى آخر، وإن الروح، ما أن تخلق، حتى تستمر في الوجود إلى الأبد، أما الجسد فيكفّ عن الوجود منذ الوفاة إلى بعث الأجساد. القسم الخاص بالحياة الحالية من هذا التعليم، خاطئ تماماً بالتأكيد. تتغير مادة الجسم باستمرار عن طريق عمليتي التغذية والطرح[4]

 

هنا يعلق راسل على ان مفهوم ان الجسد فاني وان الروح خالدة بعد الموت هو فكر خاطئ لانه في الحقيقة ان الجسد ليس فانياً ولكنه متغير من حالة الي أخرى مثلا يتحول الجسد من تراب ومن تراب الي نبات وهكذا.. 

 

ويكمل راسل في ( ص 124 ) : نجد الشيء نفسه فيما يتعلق بالعقل نحن نفكر ونشعر ونفعل، ولكن لا يوجد بالإضافة إلى الأفكار والمشاعر والأفعال، كينونة صرفة، كالعقل أو الروح، تُحدث أو يحدث فيها هذه الأشياء. الاستمرارية العقلية لشخص ما هي استمرارية العادة والذاكرة، كان يوجد البارحة شخص أستطيع تذكر مشاعره، وأعتبر هذا الشخص ذاتي في اليوم السابق، ولكن في الحقيقة، ذاتي في اليوم السابق ليست إلا حوادث ذهنية معينة أتذكرها الآن وأعتبرها جزءاً من الشخص الذي يعيد تجميعها . ما يشكل الشخص هو سلسة من الخبرات المتصلة عن طريق الذاكرة وعن طريق تشابهات معينة من النوع الذي نسميه العادة. لذلك، إن كنا نؤمن بأن الإنسان سينجو من الموت، يجب أن نؤمن بأن الذكريات والعادات التي تشكل هذا الإنسان سوف تستمر في الظهور في شكل جديد. لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا لن يحصل. ولكن من السهل أن نرى أنه مستبعد ذاكرتنا وعاداتنا مرتبطة ببنية الدماغ، بنفس الطريقة التي يرتبط بها النهر بمجراه 

 

هنا يناقش راسل مفهوم خلود العقل البشري وينظر راسل الي العقل على انه مجرد مخزن فيه الأفكار البشرية من ذكريات وعادات الخ.. وليس شيء ذو كينونة خارقة للطبيعة [5] ويتسأل راسل أيضا بقوله عن ما هو مصير الذكريات فيقول ( . لذلك، إن كنا نؤمن بأن الإنسان سينجو من الموت، يجب أن نؤمن بأن الذكريات والعادات التي تشكل هذا الإنسان سوف تستمر في الظهور في شكل جديد ) بمعنى أوضح ماذا سوف يحدث للذكريات والعادات هل سوف تمحى ام سوف تبقى ؟ لا يوجد إجابة واضحة على هذا السؤال من راسل ( لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا لن يحصل ) ولكنه لم يتهاون في القول بان هذا محال ( ولكن من السهل أن نرى أنه مستبعد ذاكرتنا وعاداتنا مرتبطة ببنية الدماغ، بنفس الطريقة التي يرتبط بها النهر بمجراه ) [6]

 

ويكمل راس في الحديث عن الطبيعة الموت والطبيعة البيولوجية للإنسان فيقول (ص 126) : 

 

أهم هذه الانفعالات الخوف من الموت، وهو خوف مفيد غريزياً وبيولوجياً. إذا آمنا بإخلاص ومن كل قلوبنا بالحياة الآخرة، فسوف نكف تماماً عن الخوف من الموت. ستكون النتائج غريبة، وعلى الأغلب سياسي لها معظمنا. لكن أجدادنا البشر وما قبل البشر قد حاربوا وأبادوا أعداءهم خلال عصور جيولوجية كثيرة واستفادوا من الشجاعة، لذلك فمن المفيد للمنتصرين في الصراع من أجل البقاء أن يكونوا قادرين، عند الضرورة، على التغلب على الخوف الطبيعي من الموت 

 

من هنا نستطيع القول ان الخوف من الموت والحرب من اجل البقاء هم وجهان لعملة واحدة فكما كان الانسان يخاف من الموت لأنه يريد البقاء كذلك كان الانسان يكسر هذا الحاجز من اجل البقاء أيضا بمعنى ان الهدف الأول للإنسان هو البقاء لان طبيعة الكائنات الحية هي الصراع من اجل البقاء على قيد الحياة للتناسل ونقل الجينات لأكبر عدد ممكن الافراد [7]

 

ثم بعد ذلك يذكر لنا راسل اقتباس للاسقف فيقول الاسقف ( لقد تشكل الكون وحكم بواسطة العقل، وسوف يكون من غير المعقول، بعد أن خُلق الإنسان، أن يُترك للفناء ) 

 

يعلق راسل ويقول ( ص 127 ) : 

 

يوجد العديد من الردود على هذه الحجة. في المقام الأول، لقد توصلنا إلى أن تدخل القيم الأخلاقية أو الجمالية في الأبحاث العلمية حول الطبيعة يشكل عائقاً أمام الاكتشافات. لقد ساد الاعتقاد بأن الأجسام السماوية يجب أن تتحرك بشكل دائري لأن الدائرة هي الشكل الأكمل، وأن الأنواع يجب أن تكون غير قابلة للتغير لأن الله لا يخلق إلا ما هو كامل وبالتالي لا يحتاج عمله إلى أية تحسينات، إنه أمر غير مفيد أن نحارب الأوبئة إلا بالتوبة لأن الله قد أرسلها كعقاب لخطايانا.. الخ. بكل الأحوال، لقد توصلنا، ضمن معلوماتنا الحالية، إلى أن الطبيعة لا تبالي بقيمنا وأننا لا نستطيع فهمها إلا إذا تجاهلنا أفكارنا حول الخير والشر. قد يكون للكون غاية ما ، لكن لا شيء مما نعرفه يجعلنا نفترض، إذا كان للكون غاية فعلاً، أن هذه الغاية سوف تكون مشابهة لغاياتنا [8]

 

هنا يذكر راسل مفهوم المثالية ان الكون نشئ بشكل جمالي ولكن هذا المنظور كان له اثار بالسلب كما يذكر راسل ان هذه الفكرة تجعل البشر متأخرين في التقدم العلمي ( ، لقد توصلنا إلى أن تدخل القيم الأخلاقية أو الجمالية في الأبحاث العلمية حول الطبيعة يشكل عائقاً أمام الاكتشافات ) على العكس فقد تعيق هذه النظرة انقاذ أرواح البشر كما ذكر راسل أيضا ( إنه أمر غير مفيد أن نحارب الأوبئة إلا بالتوبة لأن الله قد أرسلها كعقاب لخطايانا ) 

 

ويرد راسل أيضا في ( ص 127 ) على حجة الصواب والخطأ فيقول : 

 

يخبرنا الدكتور بيرنز أن الإنسان يعرف الصواب والخطأ». ولكن، في الحقيقة، وكما ترينا الأنثروبولوجيا، تختلف مفاهيم البشر حول الصواب والخطأ إلى درجة أننا لا نجد نقطة ثابتة تماماً. لذلك، لا نستطيع القول إن الإنسان يعرف الخطأ والصواب، لكن بعض الناس فقط يعرفون الخطأ والصواب 

 

بمعنى أوضح ان مفهوم الصواب والخطأ عند راسل ليس حجة لأنه من خلال دراسة الحياة البشرية نجد انه لا يوجد حقاً ثوابت للقواعد لأنها تتغير بتغير الزمان والجغرافية ونضيف أيضا على قوله انه يكون أيضا للبيولوجيا يد في ذلك [9]

 

لذلك نستطيع انه بالفعل لا يوجد شيء واضح امامنا نستطيع ان نقول بالدليل القاطع ان هذا الشئ هو إشارة حقيقية للحياة بعد الموت ولكن هذا لا يعني رفض راسل المطلق لوجود حياة بعد الموت فهو أيضا قال في نفس الكتاب 

 

( بالنسبة إلي، لا أعتقد أنه هناك أي سبب جيد كي نؤمن بالحياة بعد الموت، ولكنني جاهز للاقتناع بها إن ظهر الدليل الكافي ) 



[1]  ( فإذا كان الإنسان البدائي لا يبدى اهتماما بسبب الموت، فان ذلك يرجع إلى أنه يعرف بالفعل كيف يحل الموت … الموت إذن، بالنسبة للإنسان البدائي، هو نتاج عمل عدو أو تأثيره الشرير سواء في شكل إنساني أو روحاني ( الموت في الفكر الغربي - ص ١٦ )

[2] JOURNAL ARTICLE DEATH-CONSCIOUSNESS AND CIVILIZATION JOHN T. MARCUS  Vol. 31, No. 3 (AUTUMN 1964)

[3]  راجع في هذا الصدد كتاب الموت والوجود لجيمس كارس لان الكتاب ناقش الأفكار المختلفة حول الموت عند الشعوب

[4]  لم يقل بهذا الكلام كل الفلاسفة السابقين لأننا نجد ابيقور الذي رفض فكرة الخلود من الأصل ( كان يأمل أن يحرر الإنسان من الخوف من الموت برفضه لفكرة الخلود: ما السبب الذي يجعلنا نخاف من الموت في حين أنه انطفاء محض، غياب لكل وعي وشعور عندما لا يكون هناك حكم ولا دينونة، ولا عقاب ينتظر المرء في العالم الآخر ..؟ «الموت لا شيء بالنسبة إلينا، لأن ما ينحل يخلو من القدرة على الإحساس، وما يخلو من القدرة على الإحساس هو عدم بالنسبة لنا .. »  ( موسوعة تاريخ الفلسفة – فردريك كوبلستون – الملجد الأول , ص 538 , 539 ) 

[5]  في مثل هذه الجزئية نستطيع القول ان هناك نقاش حاد بين المؤمنين وغير المؤمنين وهو ان العقل ما هو الا مجموعة من الخلايا العصبية ومن يقول انه ابعد من ذلك وان الدماغ اكبر من ان يكون مجرد خلايا عصبية ( Understanding Brain, Mind and Soul: Contributions from Neurology and Neurosurgery - PMC (nih.gov) ) ولكن هذا يفتح أيضا نقاش اخر وهو هل الوعي هو الروح ؟ او بمعنى اصح ماهي الروح وهل هي الوعي البشري ؟ في الحقيقة ان كانت الروح هي الوعي فالحيوانات أيضا لديها وعي ( لقد قدمت حججاً نظرية وتجريبية لتدل على أن الوعي مشترك عبر جميع الثدييات. حيث جادل كل من (2005) Seth Baars, Edelman بأن العمليات العصبية الضرورية للوعي البشري أي النشاط الارتجاعي الواسع الانتشار في المجمع القشري المهادي [thalamo-cortical-complex] - تتضمن أجهزة تشريحية مشتركة بين جميع الثدييات وربما على نطاق أوسع ( موسوعة في صحبة الوعي – ص 133 ) وهنا نأتي لتسأل سفر الجامعة ( "مَنْ يَعْلَمُ رُوحَ بَنِي الْبَشَرِ هَلْ هِيَ تَصْعَدُ إِلَى فَوْق؟ وَرُوحَ الْبَهِيمَةِ هَلْ هِيَ تَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ، إِلَى الأَرْضِ؟" (جا 3: 21) ويجب السفر على هذا التساؤل بالاتي في النصوص التي قبل التساؤل ( "لأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِبَنِي الْبَشَرِ يَحْدُثُ لِلْبَهِيمَةِ، وَحَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمْ. مَوْتُ هذَا كَمَوْتِ ذَاكَ، وَنَسَمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْكُلِّ. فَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَهِيمَةِ، لأَنَّ كِلَيْهِمَا بَاطِلٌ." (جا 3: 19) 

[6]  في هذه الجزئية يجعلنا راسل نفكر فما هو الذي سوف يخلد بالضبط ؟ هل سوف يخلد الدماغ البشري الذي كان صفحة بيضاء ثم بعد ذلك تم الكتابة عليه كما قال جون لوك أولاً ـ تدخل الحواس أفكاراً ،بعينها، ثم تقدم الإطار الذي ما يزال فارغاً ، وبالتدريج يعمل الذهن على التآلف مع بعضها، بحيث تستقر في الذاكرة، وتعطي لها تسميات. بعد ذلك يمضي الذهن قدماً، فيجعلها مجردة، وبالتدريج يتعلم استخدام الأسماء العامة ( الاعمال الكاملة لجون لوك – ص 134 ) ام ان هناك في الانسان شيء ميتافيزيقي هو الذي سوف يخلد وهو مختلف عن الدماغ البشري وهذا الشئ الذي لا نعرف اكان موجوداً ام لا 

[7]  هذا ما ناقشه ريتشارد داوكينز في كتابه الجين الاناني 

[8]  في مفهوم الغاية قد تناقش فيها اسبينوزا مسبقاً حين قال ( " الطبيعة لا تعمل مستهدفة غايةً ما؛ ذلك لأن الكائن الأزلى اللامتناهي، الذي نسميه الله أو الطبيعة، يسلك وفقاً لنفس الضرورة التي يوجد بها... أي أن السبب أو العلة التي تجعل الله أو الطبيعة موجوداً، والسبب الذي يجعله يسلك، هو سبب واحد...وليس لوجوده ولفعله أصل ولا غاية؛ ومن ثم فإن العلة التي تسمى غائية ليست إلا الرغبة البشرية، بقدر ما تعد أصلاً أو علة لأي شيء. وبعبارة أخرى، فإن نفس القوانين التي تستخلص من السير الفعلي للطبيعة، هي ذاتها ما يُسمي بقوانين المسلك الإلهي، ومن المحال أن تستهدف الطبيعة أي غاية أو هدف، بل أن مسارها كله ضروري، ومستمد من ضرورة وجودها فحسب ) راجع كتاب اسبينوزا – فؤاد زكريا - ص 93 

[9]  في مثل هذا الموضوع سيكون لنا مقال في مناقشة موضوع الاخلاق والصواب والخطأ بالتفصيل

الإنسان الوحش

 


صراع الانسان مع اخيه الانسان كان منذ القديم فنعرف عن الانسان انه قبل ٧٠ الف سنة قرر الانسان العاقل اجتياح العالم ومن خلال ذلك قتل اخوته من البشر الاخرين مثل انسان النياندرتال وانسان رودولف وانسان دينيسوفا الخ.. من خلال التزاوج او المنافسة على الموارد ووصل الامر الي الابادة الاجماعية فكان الانسان منذ ظهوره قاتلاً لاخيه بالفطرة ونستطيع ان نرى ذلك في قصص الحضارات القديمة ومنها القصة المشهورة عن قايين وهابيل


وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ،" (تك 4: 3). وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ،" (تك 4: 4). وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ." (تك 4: 5). فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟" (تك 4: 6). إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا»." (تك 4: 7). وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ." (تك 4: 8). فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟» فَقَالَ: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟»" (تك 4: 9). فَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ." (تك 4: 10)



ومن هنا نرى كيف الانسان يقتل اخيه الانسان بدم بارد ويصرخ الدم المسكوب من المقتول المسكين ويرتفع صوته الى السماء وقد وصفت الكتابات اليهودية ان هذا القتل لم يكن مجرد موت انسان ولكن موت عالم كامل فيه 


هذا ما نجده في شأن قاين الذي ذبح أخاه، لأنه مكتوب : دماء أخيك تصرخ ( تك ٤ : ١٠). لم يقل : دم أخيك، بل دماء أخيك، دمه ودم خلفه . إذا ، لقد خُلِقَ إنسان واحد على الأرض ليعلمنا أنه إذا أمات أحد نفسا واحدة في إسرائيل، يعتبره الكتاب المقدس مسؤولاً عن عالم بأكمله . وإذا صان أحد نفسا واحدة في إسرائيل، يعتبره الكتاب المقدس مسؤولا عن الحفاظ عن عالم بأكمله  


والموقف نفسه يجعلنا نقع في الحيرة اين الله من كل هذا وهذه الحيرة التي تجعلنا نقف عاجزين عن التصديق كما تساءل ايضا حاخامات اليهود


 قَالَ رَابِي شِمْعُونُ بْنُ يُوحَايْ: أَمْرٌ يَصْعُبُ قوْلُهُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الفَمِ تَفْسِيرُهُ: مُصَارِعَانِ ٱثْنَانِ وَقَفَا أمَامَ المَلِكِ لِيَتَصَارَعَا؛ قَلَوْ شَاءَ المَلِكُ لَفَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَصْلَهُمَا؛ فَاسْتَقْوَى وَاحِدٌ عَلَى غَرِيمِهِ وَقَتَلَهُ؛ فَحِينَهَا صَرَخَ وَقَالَ: مَنْ يَطْلُبْ لِي حَقِّي مِنَ المَلِكِ ١٣٢؟ هُكَذَا: "صَوْتُ دِمَاءِ أَخِيكَ تَصْرُخُ إِلَيَّ مِنَ التُرَابِ". تَفْسِيرٌ آخَرُ: هَكَذَا قَالَ قَبِينُ: "أَحَارِسٌ لأَخِي أَنَا؟"(تك ٩ :٤) - أَنْتَ هُوَ حَارِسُ كُلِّ البَرَايَا، وَتَطْلُبُهُ مِنَ يَدِي؟ يُشْبِهُ هذَا الأَمْرُ سَارِفًا سَرَقَ أَوَانِيَ فِي اللَّيْلِ، وَمَا قُبِضَ عَلَيْهِ؛ وَفِي الصَّبَاحِ أَمْسَكَ بِهِ البَوَّابُ وَسَأَلَهُ: لِمَ سَرَقْتَ الأَوَانِيَ؟ أَجَابَهُ: أَنَا سَارِقٌ وَلَمْ أَتَّخَلَّ عَنْ مِهْنَتِي، وَلَكِنَّكَ أَنْتَ وَمِهْنَتُكَ حِرَاسَةُ البَابِ، لِمَ تَخَلَّيْتَ عَنْهَا؟ 


فكما قال سارتر ان الجحيم هو الاخرون فليست النار الابدية ولا الدود ولكن غرفة واحدة فيها بشر مع بعض الى الابد تتحول الي جحيم حقيقي وهذا عبر عنه الانسان طوال فترة وجوده على هذه الارض فهو الوحش المختفي في زي انسان او بالاحرى هو الانسان الذي تلبس جلود الوحوش كما قال اغسطينوس


  [آدم وحواء] ، اللذان جُردا من لباسهما الأول [من البراءة] ، استحقاهما بملابس الجلد المهلكة. لأن الشرف الحقيقي للإنسان هو أن يكون صورة الله ومثاله محفوظين فقط فيما يتعلق بمن يُعجب به. ومن ثم ، فهو يتشبث بالله كثيرًا ، ويقل حبه لما هو خاص به. ولكن من خلال الرغبة في إثبات قوته ، يسقط الإنسان بإرادته على نفسه وكأنه نوع من المركز [البديل]. وبما أنه يرغب بالتالي في أن يكون مثل الله ، ومن ثم لا يكون تحت أي شخص ، فإنه كعقوبة يُطرد أيضًا من المركز ، الذي هو نفسه ، إلى الأعماق ، أي إلى الأشياء التي تسعد بها الوحوش. وهكذا ، بما أن الشبه بالله هو كرامته ، فإن الشبه بالوحوش هو عاره


وكان هذا الوحش الداخلي تنتابه حمى الجشع والطمع في النفوذ والسيطرة وأحياناً يحاول ان يحمي نفسه فكما ذكر المرشال مو نتجمري


هناك حقيقة واضحة بأن الحرب هي الحكم النهائي عند ما تفشل جميع الجهود العلمية الموصول الى اتفاق ، وهذا الحكم يستند على القوة والعنب أكثر من استفاده على الحق ، بالرغم من وضوح الحق في أغلب الأحيان .  


والحروب لها أشكال وأسباب ولكنها تختلف حسب أماكن وقوعها في بلدان العالم .  فالبدو الرحل مثل جماعات الماجيار  تنحصر حروبها فى البحث عن المناطق الغنية بالمراعي ، لسلبها والاستيلاء عليها بالقوة بينما نشبت الحرب الفارسية لأنقاذ اليونان ، وبالتالى لأنقاذ أوروبا من الأرهاب الأسيوى. 


ونجد أن الحرب هي التي أقامت الأمبراطورية الرومانية ، وأيضاً ساهمت في دمارها  وما حدث للأمبراطورية الرومانية تكرر مع الأمبراطورية الألمانية التي أنشأها بسمارك 


 وقد حدث فى فترة من الزمن أن الدين كان من الأسباب الرئيسية لنشوب الحروب ، ولم تقتصر على دول معينة بل أمتدت لتصبح عالمية تقريباً . أما فى العصر الحديث فنجد أن مصادر الثروة للقوى الاستعمارية تكمن فى المستعمرات التي أستولت عليها بقوة السلاح ، وقد خلقت هذه الثروات منازعات بل ومنافسات تجارية بين هذه الدول مما أدى إلى دخولها في صدام مسلح 


واحيانا يقوم الانسان بهذه الامور فقط من اجل التسلية فهو يقضي على اخيه الانسان من اجل انه يريد ان يفعل ذلك 


في فبراير عام ١٩٥٩ ، قبلت امرأة شقراء جميلة تدعى «بنی چور کلاند. عرضاً من رجل متزوج من كاليفورنيا أن يقوم بتوصيلها بسيارته . وبدون أى سبب أو إزعاج من جانب الرجل ، أخرجت مسدسا كان معها وأطلقت عليه إثنتي عشرة رصاصة داخل السيارة . بعد القبض عليها صرحت بأنها كانت تجرب إن كان بإمكانها أن تقتل أحداً دون أن تشعر بتأنيب ضمير»، ووجد الأطباء النفسيون أنها عاقلة تماماً وتعى ما تفعل . 


وفى أبريل عام ١٩٥٩ أطلق رجل يدعى نورمان سميث الرصاص على امرأة ) كانت تجلس داخل منزلها تشاهد التليفزيون ( من نافذة المنزل المفتوحة ، لم يكن يعرفها ، فقط أحس برغبة قوية تعتريه أن يفعل ذلك بعد أن شاهد برنامجا في التليفزيون اسمه «القناص » 


فهل وجد الانسان فقط لكي يفسد ويدمر ؟ وهنا يحضرني قول الملائكة في الادب اليهودي برفضها لخلق الانسان لعلمها بانه سيفسد في الارض


ملاك الحق عارض ذلك لأن الإنسان سوف يكون مليئا بالأكاذيب، وبالرغم من أن ملاك العدل حبذ ذلك، لأنه سوف يمارس العدل، إلا أن ملاك السلام قاوم ذلك. لأن الإنسان سوف يكون كثير الاقتتال.  ولكي يبطل احتجاجه، ألقى الله بملاك الحق من السماء إلى الأرض، وعندما صاح الآخرون احتجاجا على تلك المعاملة المهينة لزميلهم، قال: "الحق سوف يعود من الأرض". كان يمكن لاعتراضات الملائكة أن تكون أقوى بكثير ، لو أنها عرفت كل الحقيقة عن الإنسان. كان الله قد ذكر لهم فقط عن الأتقياء، وأخفى عنهم أنه سوف يكون هناك فاسدون بين البشر أيضًا. ومع ذلك، ومع أنهم لم يعلموا سوى نصف الحقيقة، إلا أن الملائكة بالرغم من ذلك كان لديها حافز قوى لكي تصيح قائلة: "من هو الإنسان حتى تذكره ؟ وابن آدم حتى تفتقده ؟"


ولكن جاء الانسان الي الوجود متسائلاً عن معنى الوجود فهل هو هنا ليصبح الوحش او الانسان ، من هو انا هل انا الشيطان ام الملاك ام انا ملاك ساقط وتحولت الي شيطان ( كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟(إش 14: 12) فهل الانسان وجوده من اجل ان يكون وحش كما كان يعلم نيتشه (  أما التضاد بين (خيّر) و«شرير) فهو ذو أصل آخر. يُحتقر الجبان والخائف والصغير النفس والحريص على المنفعة الضيّقة؛ وكذلك المرتاب بعينه الشزراء والمتذلّل، أي الإنسان الكلب المستسلم للتنكيل، والمتزلّف المتوسّل. وأكثر من كل شيء يُحتقر الكذّاب: العامة كذّابة )   او وجود الانسان على صورة الله ومثاله واذا اتبع تعاليم يسوع ( وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،" (مت 5: 44) 


فيسقط الانسان البائس في هاوية الحيرة باحثاً عن اجابة من انا وما اكون وماهي الانسانية 


المراجع


كتاب العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري


كتاب قاين وهابيل – التكوين 4 – دومينيك سربيلو وجيلبير داهان


كتاب الأجداه ج1 – تفسير أسفار التوراة – سلسلة الأدب الرابيني 5 – الأب إيميل عقيقي


مسرحية لا مخرج - سارتر 


Louth, A., & Conti, M. (2001). Genesis 1-11. Ancient Christian Commentary on Scripture OT 1. (98). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press ) 


كتاب الحرب عبر التاريخ - الجزء الاول


كتاب التاريخ الإجرامي للجنس البشري - سيكولوجية العنف البشري -  كولن ولسون


اساطير اليهود - لويس جينزبيرج -  الجزء الاول 


فريدريش نيتشه - ما وراء الخير والشر تباشير فلسفة للمستقبل - ترجمة جيزيلا فالور حجار

كيف تعيش كحكيم رواقي

 



في ظل هذه المعاناة التي نعيشها يوميا في هذا العالم الكئيب نحتاج احياناً الي نظام يعالج الفوضى الداخلية حتى نستطيع الصمود امام عبثية هذه الحياة وهنا يأتي دور الفلسفة الرواقية ومن لا يعلم ماهي الرواقية سوف اعطيه تعريف سريع لها قبل الاستمرار في الكتابة 


زينون مؤسس المدرسة الرواقية وُلد حوالي ٣٣٦/٣٣٥ ق.م في كتيوم بقبرص وتوفي حوالي ٢٦٣/٢٦٤ ق.م في أثينا. جاء إلى أثينا حوالي ٣١٥–٣١٣ ق.م، واطلع على مذكرات زينوفان ومحاورة «الدفاع الأفلاطوني»، وأعجب بسقراط، فتتلمذ أولاً على أقريطيس الكلبي ثم على استلبون، كما استمع إلى زينوقراط وبوليمون بعد وفاته، وأسّس مدرسته حوالي ٣٠٠ ق.م في الرواق الذي كان يلقي فيه دروسه، وترك شذرات قليلة من مؤلفاته. في الرواقية القديمة ركّز الرواقيون على المنطق (الجدل والخطابة) ورفضوا النظريات الأفلاطونية والأرسطية عن الكلي، مؤكدين على معرفة الجزئيات. في القرنين الثاني والثالث ق.م، ظهر الميل الانتقائي عند فلاسفة الرواق، حيث دمجوا عناصر أفلاطونية وأرسطية تجاوباً مع الانتقادات الأكاديمية واحتكاكهم بالعالم الروماني العملي. أما الرواقية المتأخرة في الإمبراطورية الرومانية المبكرة، فتميزت بالتمسك بالمبادئ الأخلاقية العملية، مع صبغة دينية ونظرة تشبه الإنسان بالله، كما أبرزت واجب الإنسان تجاه الآخرين، وتجلى ذلك في تعاليم سينكا وأبكتيتوس وماركوس أوريليوس، مع استمرار الميل الانتقائي واهتمام محدود بالعلوم المعاصرة، كما يظهر من كتابات سينكا وأربع كتب من محاضرات أبكتيتوس وتأملات ماركوس أوريليوس ( موسوعة تاريخ الفلسفة - ج 1 - فردريك كوبلستون - ص 515 , 516 , 517 , 559 , 567 )


وبعد ان تعرفنا باختصار على الرواقية نذهب لاساس هذه التعاليم وهو انه تنقسيم الاشياء في هذه الحياة الى اشياء في قدراتك واشياء خارج قدراتك وتتعامل الرواقية من هذا المنطلق فيذكر لنا الفيلسوف الرواقي ابكتيتوس : 


من الأشياء ما هو في قُدْرَتِنا وطوقنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا بِهِ يَد فَمَا يتَعَلَّقُ بِقُدرتِنا: أفكارنا ونَوازِعُنا ورغبتنا ونُفُورُنا، وبالجملة كل ما هو من عَمَلِنَا وصَنِيعنا. وبما لا يتعلَّق بقدرتنا أبدًا وأملاكنا وسمعتنا ومناصبنا، وبالجملة كل ما ليس من عَمَلِنَا وصَنِيعنا ( المختصر ، الكتاب الاول ، الفقرة ١ )


فالرواقية تعلم انه ماهو خارج ايدينا مثل الثروة او الشهرة او المناصب او او غيرها من الامور المادية ليس شئ نستطيع التحكم فيه ولكن الشئ الوحيد الذي نستطيع التحكم فيه هو انفسنا وهذا ما ركزت عليه الرواقية ان تهذب نفسك داخلياً حتى تصبح قادراً دائما على مواجهة المجهول فنحن الذين نعطي لهذا المجهول الهوية ونقوم بتفصيل هذه الوهية من خلال شعورنا نحوها 


إذا كان بك كرب من شيء خارجي فإن ما يكربك ليس الشيء نفسه بل رأيك عن الشيء، وبوسعك أن تمحو هذا الرأي الآن" (٨-٤٧)، فالأشياء ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين ننتج الأحكام عنها ونطبعها في عقولنا. وإن بوسعنا ألا نطبعها على الإطلاق، وأن نمحو في الحال أي حكم تصادف انطباعه " (١١-١٦) ( التأملات للامبراطور الروماني ماركوس أوريليوس )

 

 فالموت هو في نظرنا كبشر هو شر ولكنه في نظر انسان يتالم من المرض هو طوق النجاة فالموضوع هو نسبي ونحن نعطيه التعريف من خلال تجربتنا له 

التجسد وعلاقته بالتطور – القس ج. ر. إلينجورث

 




في دراسة قدمها اللاهوتي والفيلسوف الانجليزي J. R. Illingworth بخصوص ان التجسد هو اسمى مرحلة للخلقة الانسانية وفيها يوضح كيف ان التطور هو مرحلة طبيعية لظهور الكائنات الحية وارتقائها يقول الاتي


شهدت السنوات القليلة الماضية قبولًا تدريجيًا من قبل المفكرين المسيحيين للتعميم العلمي العظيم في عصرنا، والذي يُوصف باختصار، وإن كان بشكل غير دقيق، بأنه نظرية التطور. لقد أعادت التاريخ نفسه، واتضح عند التحقيق أن معارضة أخرى بين العلم واللاهوت لم تكن في الواقع معارضة على الإطلاق. فمثل هذه التناقضات والمصالحات أقدم من المسيحية ذاتها، وهي جزء مما يُطلق عليه غالبًا الحركة الجدلية—أي تلك الحركة التي تقوم على السؤال والجواب، والتي ينشأ عنها كل تقدم.


ولكن نتيجة هذه العملية ليست مجرد تكرار لقصة رُويت مرتين، بل هي تقدم في تفكيرنا اللاهوتي؛ زيادة محددة في الفهم؛ وتقدير جديد وأكثر عمقًا لطرق الله المتعددة في تحقيق ذاته. فالاكتشافات العلمية العظيمة، مثل علم الفلك المتمركز حول الشمس، ليست مجرد حقائق جديدة يجب استيعابها، بل إنها تتطلب طرقًا جديدة للنظر إلى الأمور.


وكان هذا هو الحال بشكل خاص مع قانون التطور؛ إذ إنه، بمجرد ملاحظته، امتد بسرعة إلى كل مجال من مجالات الفكر والتاريخ، وأدى إلى تغيير موقفنا تجاه كل أنواع المعرفة. فقد أصبح يُنظر إلى الكائنات الحية، والأمم، واللغات، والمؤسسات، والعادات، والعقائد من منظور تطورها، وأصبحنا نشعر أنه لفهم شيء ما حقًا، يجب علينا دراسة كيفية نشأته.


إن التطور يحيط بنا، وهو السمة المميزة لعصرنا؛ إنه ثمرة الزمن، ونتيجة ضرورية لاتساع نطاق مقارناتنا. ولم يعد بإمكاننا أن نعزل أنفسنا عنه أو نحدّ من نطاق عمله. لذلك، فإن آرائنا الدينية، مثلها مثل أي شيء آخر نشأ عبر تيار التطور، يجب أن تبرر وجودها بالعودة إلى الماضي.


هناك هجمات كثيرة ضد العقيدة المسيحية تستند إلى أساليب غير كافية من قبل مفسريها المزعومين. فحين يتم اقتطاع أجزاء من العقيدة من سياقها، وتجريدها من نسبها الصحيحة، تُعرض على الناس على أنها جوهر الإيمان المسيحي بأكمله، وذلك على يد مدافعين مخلصين لكنهم جهلة. والنتيجة المؤسفة هي أن حتى الباحثين المخلصين عن الحقيقة—فضلًا عن المعارضين السطحيين والمتحاملين—يقعون في وهم أن المسيحية قد تم دحضها، بينما في الواقع لم يكونوا ينقدون سوى صورة مشوهة منها.


مثل هؤلاء يحتاجون إلى التذكير بأن المسيحية أكبر من مفسريها أو محرفيها في أي عصر؛ وأنها، عبر تاريخها الطويل، قدمت إجابات لكثير من الاعتراضات التي يظنون، بسبب جهلهم، أنها جديدة؛ وأنه، بفضل ثقتها برسالتها العالميةوذاكرتها المليئة بانتصاراتها العديدة، لا تزال المسيحية قادرة على التعاطف، والكفاية، والتكيف مع مشكلات وتعقيدات كل عصر متعاقب.


تم استنتاج لاهوت التجسد تدريجيًا، من تعاليم القديس بولس والقديس يوحنا. فقد تم التأكيد على هوية الشخص الذي تجسد وأصبح إنسانًا وسكن بيننا، مع الذي به صنع كل شيء وبه يقوم كل شيء؛ ووجوده الأبدي قبل التجسدكعقل وكلمة الله، اللوجوس؛ وحضوره المتوحد في الكون كمصدر وشرط لكل حياته، وفي الإنسان كنور لوجوده العقلي؛ وقيامته وصعوده—جميع هذه الأفكار تم نسجها معًا في صورة رائعة، حيث تم رؤية الخلق كتمثيل للأفكار الإلهية


وبالتالي إعلان لطبيعة الله؛ كاشفة عن خالقها بشكل متزايد الوضوح مع كل مرحلة تالية في مقياس الوجود العظيم، حتى جاء في ملء الزمان ليصبح إنسانًا، وبذلك رفع الطبيعة البشرية، ومعها الكون المادي الذي هو مرتبط به ارتباطًا وثيقًا؛ ومتفوقًا على الخطيئة والموت اللذين كانا يئن منهما الخلق، ففتح بقيامته، ثم بصعوده، آفاق المصير المجيد الذي كان قد أعده لمخلوقاته قبل أن يُخلق العالم. " فصار ما نحن عليه، لكي يُكملنا ويجعلنا ما هو عليه".


حكمة الله، عندما خرجت لأول مرة في الخلق، لم تأتِ إلينا عارية، بل ملبوسة في ثياب المخلوقات. ثم، عندما أراد نفس الحكمة أن تُظهر نفسها لنا كابن الله، تأخذ ثوبًا من اللحم، وهكذا رآه الناس. "التجسد هو رفع للطبيعة البشرية وتمام للكون مثل هذه الاقتباسات يمكن أن تُضاعف بلا نهاية من صفحات الفلاسفة المدرسيين واللاهوتيين ويبدو أن خط التفكير الذي تشير إليه هذه الاقتباسات يقودنا بشكل طبيعي إلى رؤية التجسد كذروة مسبقة للخلق، بغض النظر عن الخطيئة البشرية 


كل هذا يتماشى تمامًا مع معتقدنا المسيحي، الذي يُعلم أن كل شيء قد خُلق بواسطة العقل الأبدي؛ ولكن أكثر من ذلك، فإنه يُظهر ويُظهر المزيد من العقيدة المتعلقة بحضوره المتجسد في أشياء خليقته؛ مما يجعل كل منها كشافة ونبوءةفي الوقت ذاته، شيئًا من الجمال والإتقان الكامل، يستحق الوجود لذاته، ومع ذلك خطوة نحو غايات أعلى، وأداة لعمل أعظم.


لقد قدمت العلوم لنا خدمة عظيمة في إعادة هذه العقيدة إلى الأذهان. فهي لا تحمل فقط أهمية لاهوتية، بل دينية أيضًا، إذ تشكل العنصر الحقيقي في ذلك البانثيؤية العليا التي أصبحت شائعة في أيامنا هذه عند التأمل في جمال أو عجائبالعالم. ورغم أنه غامض وغير محدد، إلا أن هذا الشعور ما يزال من أقوى المشاعر التي يمكن أن تتحملها طبيعتنا، ويجب التعرف عليه كعنصر أساسي في جميع الأديان الحقيقية بها.


 لذا، لا يمكننا المبالغة في تقدير أهمية إعادة عقيدة حضور الله في الطبيعة إلى مكانها الصحيح في اللاهوت، إذ أن هذه المشاعر هي الشهادة الغريزية لها. آباء الكنيسة، وعلماء اللاهوت، والصوفيون، الذين كانوا على دراية تامة بأي خطر من البانثيؤية مثلنا، ما زالوا يدهشوننا بجرأتهم في هذا الموضوع؛ ولا ينبغي لنا أن نخشى تجاوز حدود التقليد المسيحي عندما نقول إن الحضور الفيزيائي لكلمة الله في خليقته لا يمكن أن يُبالغ فيه، طالما أن تسامي الله الخلقي في نفس الوقت يتم التأكيد عليه.


هناك حقائق على الجانب الآخر؛ مثل قدَم الإنسان الذي لا شك فيه؛ والنمو التدريجي الذي يمكن تتبعه علميًا في أفكارنا ولغتنا وأخلاقنا، وبالتالي، إلى الحد الذي تؤثر فيه الوظائف على قواها، حتى في ضميرنا وعقلنا أيضًا؛ ثم الاحتمالية الكبيرةالناتجة عن الأدلة المتزايدة على جميع أنواع التطور الأخرى أن الإنسان لن يكون استثناء من القانون الكوني


تعمل. وهكذا، عندما نرى العقول والإرادات البشرية تنسج ستارًا فوق الكون، من الفكر والمحبة والقداسة، ويقال لنا إن كل هذه الأشياء ليست سوى أنماط أعلى من الطبيعة المادية، فإننا نشعر فقط أن السر الداخلي للطبيعة المادية يجب أن يكون أكثر روعة مما كنا نظن. لكن رغم أن دهشتنا قد تزداد، فإن صعوباتنا لن تتزايد. إذا كنا نؤمن، كما رأينا أن اللاهوت المسيحي قد آمن دائمًا، بوجود خالق إلهي ليس فقط حاضرًا خلف بداية المادة، بل أيضًا موجودًا في كل مرحلة منها، ومتعاونًا مع كل ظاهرة منها، فإن طريقة عمله، على الرغم من كونها مثيرة للتفكير، لن تكون لها أهمية جدلية. كان هناك وقت كانت فيه الأنواع المختلفة من الأشياء المخلوقة تُعتبر مفصولة بحواجز لا يمكن عبورها


ورغم أن مهمتها الأولى هي البحث عن النفوس وإنقاذها واحدة تلو الأخرى، فإنها تُقدس في مرورها كل مجال من الفكر والعمل، حيث يمكن أن تجد الطاقة المنبعثة من النفوس مجالًا لها. إنها ترحب باكتشافات العلم، باعتبارها في النهاية جزءًا من الوحي الإلهي، ومن التعليم الإلهي الموجه للعالم. إنها تذكر الفن بالأيام التي، في الكهوف والأديرة، تعلمت مهمتها الأسمى أن تكون خدمة للكلمة المتجسدة


ومهما كان من المعاني الجديدة التي قد يتم العثور عليها في التجسد، ومهما تلاشت بعض المفاهيم الخاطئة عنه أمام الضوء الكامل؛ فإنه لا يمكننا تصور أي مرحلة من التقدم ليس للتجسد فيها النجمة الهادية، ولا أي عصر لا يمكنه أن يجعل صلاة القرن الخامس صلاته الخاصة :


"يا إله القوة غير المتغيرة والنور الأبدي، انظر بعين الرحمة إلى كنيستك كلها، تلك المعجزة المقدسة والعجيبة؛ وبتدبيرك الأبدي الساكن، أكمل عمل خلاص الإنسان؛ ولتشعر وتُرى العالم بأسره أن الأمور التي كانت ساقطة تُرفع، وأن الأشياء التي تقدمت في السن تُجدد، وكل الأشياء تعود إلى الكمال من خلاله، الذي أُخذت منه، حتى من خلال ربنا يسوع المسيح."



المصدر : 


Lux Mundi A Series of Studies in the Religion of the Incarnation Edited by Charles Gore - LONDON JOHN MURRAY, ALBEMARLE STREET 1891 -  THE INCARNATION AND DEVELOPMENT 

ملخص كتاب The Existence of God ( وجود الله ) للفيلسوف ريتشارد سوينبرن ( Richard Swinburne ) الجزء الاول

 



في كتابه وجود الله، يأخذنا الفيلسوف ريتشارد سوينبرن في رحلة فكرية لاستكشاف واحدة من أقدم وأعمق القضايا الإنسانية: هل يمكننا إثبات وجود الله بالعقل والمنطق؟ يبدأ الكتاب بمقدمة توضح الغرض الأساسي وهو تقييم الأدلة الفلسفية والتجريبية التي قد ترجح وجود الله أو تنفيه.


"القضية الأساسية ليست إذا ما كان هناك تناقض منطقي في مفهوم الإله، بل ما إذا كانت الأدلة الموجودة حولنا ترجح احتمال وجوده أو عدمه." (صفحة 1).


الفصل الأول: الحجج الاستقرائية

 

يتناول هذا الفصل الأنواع المختلفة للحجج الفلسفية، مع التركيز على الفرق بين الحجج الاستقرائية والاستنتاجية. يؤكد المؤلف أن الحجة الاستقرائية لا تهدف إلى تقديم استنتاج يقيني، بل تسعى إلى جعل الاستنتاج أكثر احتمالاً بناءً على الأدلة.

 

اقتباسات رئيسية:

 

حول أنواع الحجج الاستقرائية:

 

"الحجج الاستقرائية الجيدة تختلف بين نوعين: تلك التي تجعل النتيجة مرجحة أكثر بناءً على المقدمات (P-inductive)، وتلك التي تضيف إلى احتمالية النتيجة دون أن تجعلها أكثر من 50% (C-inductive)." (صفحة 5-6).

 

عن الغرض من الحجج:

 

"الغرض من الحجج هو جعل الأشخاص العقلانيين يقبلون النتائج. لتحقيق ذلك، يجب أن تكون المقدمات معروفة بأنها صحيحة لأولئك الذين يناقشون النتيجة." (صفحة 6).

 

أمثلة تطبيقية:

 

"الأدلة الرصدية عن سلوك الشمس والقمر والكواكب تجعل من الأرجح أن الأرض ستواصل الدوران حول محورها خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة، وبالتالي شروق الشمس غدًا." (صفحة 5).

 

حول العلاقة بين الأدلة والنتائج:

 

"حتى عندما تكون هناك أدلة تدعم فرضية، فإنها لا تمنع أن تدعم أدلة أخرى فرضية منافسة. هذا ليس عيبًا في الحجج، بل هو سمة من سمات الحجج غير الاستنتاجية." (صفحة 19).

تحليل:

 

يشرح المؤلف الفرق بين الحجة الاستقرائية التي تعتمد على الاحتمالات، مثل "إذا كان 70% من سكان منطقة ما كاثوليكيين، فإن شخصًا عشوائيًا من المنطقة لديه احتمال 70% أن يكون كاثوليكيًا"، وبين الحجج الاستنتاجية التي تقدم نتائج مؤكدة. يوضح أهمية فهم الأدلة بشكل نقدي، وخاصة عند تطبيقها على قضايا كبيرة مثل وجود الله.

 

الفصل الثاني: طبيعة التفسير

 

الفصل الثاني يركز على أنواع التفسيرات، خصوصًا التفسير العلمي والتفسير الشخصي. يوضح الكاتب أن التفسير العلمي يعتمد على القوانين الطبيعية والشروط الأولية، بينما يعتمد التفسير الشخصي على نوايا وأفعال كائنات عاقلة. يتناول الفصل أيضًا العلاقة بين هذين النوعين وكيف يمكن أن يكونا مكملين لبعضهما.

 

اقتباسات رئيسية:

 

حول الفرق بين التفسير العلمي والشخصي:

 

"التفسير العلمي يوضح الظواهر بناءً على القوانين الطبيعية والشروط الأولية، بينما يفسر التفسير الشخصي الظواهر بناءً على نوايا وتصرفات كائن عاقل." (صفحة 45)​

.

 

حول قابلية الظواهر للتفسير:

 

"يمكن أن توجد تفسيرات علمية وشخصية متزامنة لبعض الظواهر، لكن أحيانًا نحتاج إلى تحديد أي تفسير هو الأجدر للاعتماد عليه." (صفحة 46)​

.

 

حول التفسير بإرادة الإله:

 

"عندما يدعي المؤمن أن فعل الله يفسر الظواهر، فإنه يستند إلى تفسير شخصي لظواهر قد تكون خارجة عن قدرة التفسير العلمي." (صفحة 47)​

 

عن حدود العلم:

 

"العلم يفسر لماذا تحدث بعض الظواهر، ولكنه لا يستطيع تفسير لماذا توجد قوانين الطبيعة نفسها." (صفحة 74)​

 

يتبع في المقال القادم

بحث هذه المدونة الإلكترونية