‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصير الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصير الكتب. إظهار كافة الرسائل

قراءة مختصرة لكتاب "دروس في الفلسفة" (يوسف كرم – إبراهيم مدكور)





في هذا العمل الذي أقدم على تقديمه علمين من اعلام الفلاسفة المصريين ( يوسف كرم ، إبراهيم مدكور ) كنوع من التلخيص لمفهوم الفلسفة ومنهج الاستدلال عند الفلاسفة بداية من ظهور الفلسفة الى ظهور منهج ايمانويل كانط 


في البداية نرى تعريف الفلسفة كما دونها المؤلف فيقول :


الفلسفة لفظ مُعرَّب عن اليونانية، وهو في هذه اللغة مُركَّبٌ يُراد به : محبة الحكمة، والحكمة في ذاتها : أرقى أنواع المعرفة؛ لأنها تتناول المسائل الكبرى العويصة الدقيقة، وبالنسبة إلى الشخص المُتَّصِف بها : ملكة تكسبه جودة الحكم، وحسن التصرف. ( ص ١٣ ) 


وظهرت الفلسفة بأشكال مختلفة وكانت بدايتها حين تسائُل  الانسان وظهرت الفلسفة في الشرق الادنى القديم ومصر وبلاد الهند والصين قبل ظهورها في بلاد اليونان كما يذكر في الباب الثالث في الفصل الاول ويقول : 


أنَّ الشرقيين عرفوا معظم الأفكار الفلسفية، وأن الهنود بنوع خاص زاولوا النظر العقلي المجرد، وبلغوا فيه شأوا عاليا، ولكن تفكيرهم جميعا كان عبارة عن تمحيص الدين وإصلاحه فإن خرج عن ذلك وحاول معرفة لا تتصل بالدين فقارب الفلسفة، تعثر في سيره ووقف دون الغاية، وكان علمهم تجريبيا بحتا، ففي الحالين أعوزهم المنهج الفلسفي القائم على الحد والاستدلال واليونان وحدهم هم الذين أفلحوا في عُبور الهوة الفاصلة بين التجربة من جهة، والدين من جهة أخرى، وفي إقامة الفلسفة أي : العلم بالماهية، والعلة بناء على مبادئ وقوانين وقواعد ( ص ٣٤) 


وكان انطلاق الفلسفة بمعنى الفلسفة التي الهدف منها السؤال والبحث في طبيعة الاشياء بشكل عقلي مع اليونانيين كما ذُكر في الاقتباس السابق وذهب اليونانيون للبحث عن الاسباب الطبيعية للاشياء كما قال :


نقصد بهم أربعة نبغوا في «أيونية»، وكانت مستعمرة زاهرة على شاطئ آسيا الصغرى، أنشأها فريق من الأيونيين وهم أنجب القبائل اليونانية) في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبلغوا فيها درجة عالية من الثراء والثقافة، فيها نظمت الإلياذة والأوذيسة، وفيها بدأت الفلسفة على أيدي هؤلاء الأربعة، الذين نشأ ثلاثة منهم في «مدينة ملطية» فعرفوا باسم المدرسة الملطية»، وهم : طاليس، وإنكسيمندريس وإنكسيمائس»، ونشأ الرابع في مدينة أفسس»، وهو : «هيراقليطس»، ويُدعون جميعًا بالأيونيين ( ص ٤٥ ) 


استوقفهم ما رأوه في الطبيعة من تحول الأشياء بعضها إلى بعض كتحول الماء إلى سحاب، والسحاب إلى ماء، وتحول الغذاء إلى جسم الحي، والحي إلى مادة لا حياة فيها، وهكذا. وبدا لهم أن يُفسّروا التحول بأنَّه انتقال مادة أولى من حال إلى حال، بحيث تكون الأجسام المختلفة حالات لتلك المادة الأولى، فتتكون منها وتعود إليها ولا تزيد عليها إلا ظواهر عرضية.( نفس الصفحة ) 


وبعد عصر هؤلاء الاربعة ظهر لنا مجموعة اسم الفيثاغوريون الذين رأسهم هو فيثاغورس واستخدموا الرياضيات كمنهج لهم في شرح الطبيعة وقام بوضع نوع من الطقوس الدينية لعمله


كان فيثاغورس (٥٨٢-٤٩٧) وتلاميذه يضعون العلوم الرياضية في إيطاليا الجنوبية أو اليونان الكبرى - على حدّ تسمية الرومان لهذه المنطقة العامرة بالمهاجرين من اليونان، جاءها فيثاغورس من «ساموس» مسقط رأسه، وكانت جزيرة أيونية مشهورة ببحريتها وتجارتها وتقدم الفنون فيها، أو جاءها بعد أن جال أنحاء الشرق في طلب العلم، وهذا هو الأرجح.( ص ٥٥ ) 


كان رياضيا بارعًا، كما كان قوي العاطفة الدينية، فجمع بين العلم والدين، وأسس جمعية دينية علمية مفتوحة للرجال والنساء من اليونان والأجانب على السواء، ونظمها تنظيمًا دقيقا بقانون ينص على المأكل والملبس، والصلاة والترتيل، والدرس والرياضة البدنية، كما كان مقتنعًا بأنَّ العلم وسيلة فعالة لتهذيب الأخلاق وتطهير النفس، فجعل منه رياضة دينية إلى جانب الشعائر، ووجه تلاميذه هذه الوجهة؛ فاشتغلوا بالرياضيات والفلك والموسيقى وبالطب أيضًا  ( نفس الصفحة ) 


وظهرت مجموعات اخرى من الفلاسفة الايليون والطبيعيون المتاخرون والسفسطائيون ولكننا سوف نقفز فوق كل هؤلاء ونذهب مباشرة نحو مؤسس الفلسفة الغربية سقراط فيقول عنه :


ولد سُقراط في أثينا سنة (٤٦٩) ، وغلبت عليه العناية بالمسائل الأدبية والخلقية والاجتماعية التي كان يُثيرها السُّوفسطائيون، واتَّخذ لنفسه فيها موقفًا مُعارضًا لموقفهم، وجادل مثلهم ، وقضى في ذلك حياة امتدت إلى السبعين، ولم يكتب شيئًا ( ص ٧٨ ) 


وكان سقراط يعتمد في اسلوبه على التهكم ثم السؤال ثم تفكيك الحجة وفي النهاية النتيجة فيقول : 


ففي الدور الأول : كان يتصنع الجهل، ويتظاهر بتسليم أقوال محدثيه، ثم يلقي الأسئلة والشكوك، حتى ينتهي بهم إلى التناقض، ويحملهم على الإقرار بالجهل، وفي الدور الثاني : يلقي الأسئلة أيضًا مُرتبة ترتيبا منطقيا، ولكن ليساعد محدثيه على الوصول إلى الحقيقة، فيصلون إليها ، وكأنهم قد استكشفوها بأنفسهم، وكان يستخدم الاستقراء فيتدرج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها، ويحاول حد هذه الماهية ( ص ٧٩ ) 


وبالطبع سقراط كان له تلاميذ ولكن سوف نركز على الاهم فيهم وهو افلاطون الذي يعتبر الضلع الثاني من اضلع الفلسفة فيقول عنه :


ولد أفلاطون في أثينا سنة (٤٢٧) في أسرة شريفة كبيرة النفوذ، أسرة شريفة كبيرة النفوذ، أخذ بنصيب وافر من الأدب اليوناني والعلوم الرياضيَّة، ثم قرأ كتب الفلاسفة واستمع إلى أحد أتباع هيراقليطس، ولما ناهز العشرين عرف سقراط فأعجب به، ولزمه إلى النهاية ثماني سنين ( ص ٨٧ ) 


وكانت اهم نظريه له هي المُثل بأنه يوجد ماهو اعلى من العالم المادي أو الحواس البشرية 


وفكر أفلاطون فوجد أنه إذا كانت المحسوسات متغيرة؛ فإنَّها مع ذلك تبدو لنا في صور كلية ثابتة هي الأنواع والأجناس وتتماشى مع قوانين ثابتة، وأنَّ هذه الصورة الكلية وأخرى غيرها تفيد في الحكم على المحسوسات، وتعين على فهمها، مثل قولنا عن صوت وعن لون مثلا : إِنَّ كُلا منهما عين نفسه وغير الآخر، وإنَّ كُلا منهما واحد، وإنهما اثنان، وإنهما متباينان، وقولنا عن شيء إنَّه إنسان أو حيوان، وإنَّه كبير بالإضافة إلى آخر ، صغير بالإضافة إلى ثالث، وغير ذلك من الصفات كالجمال والخير والعدالة، وهي جميعا مستقلة عن الأجسام ليست لها بالذات، ولكن الأجسام تشارك فيها قليلا أو كثيرًا ولا تبلغ أبدا إلى تحقيقها كاملة كما هي في العقل، فليس في المحسوسات ما هو الإنسان» إطلاقا أو الخير أو الجمال ( ص ٩٠ ) 


وكان يرى افلاطون ان الانسان مكون من الثنائية ( النفس ، الجسد ) وان الجسد هو ناتج عقاب لما فعلته النفس البشرية فهبطت وحُجزت في هذا الجسد كما اقتبس المؤلف من افلاطون :


إنَّ النفس كانت أول أمرها في العالم المعقول خالصة من الجسم والمادة، تشاهد المثل في صحبة الآلهة، ثم ارتكبت إثما فكان عقابها الهبوط إلى الجسم، فغشت كثافة مادته على بصيرتها وأنستها علمها، غير أن الحواس إذ تظهرها على الجزئيات تنبه فيها علمها القديم، وتستحثها على استكماله ( ص ٩٣ ) 


فكان منهج افلاطون دائما هو نظر لما بعد الاشياء وليس التوقف فقط المحسوسات بل كان يرى ان كل شيء في هذه الحياة هو مثال مشوه لشيء اخر اعلى واكمل في عالم اخر ولكن كان للضلع الثالث والاهم اذا اردنا القول وهو ارسطو رأي اخر فارسطو هو ابو علم المنطق فنرى ما قدم لنا الكاتب بخصوصه :


ولد أرسطو سنة (٣٨٥) في مدينة أسطاغيرا على حدود مقدونية، وكان أبوه طبيبا للملك المقدوني أمتناس الثاني أبي فيليب أبي الأسكندر، ولما بلغ الثامنة عشرة قَدِمَ «أثينا» لاستكمال علمه فدخل الأكاديمية، وما لبث أن امتاز بين أقرانه، فسماه أفلاطون العقل»؛ لفرط ذكائه و القراء» لسعة اطلاعه ( ص ١٠١ ) 


فقدا انكر ارسطو طرح افلاطون بخصوص ان الموجودات لها اشباح وركز اكثر على طبيعة الاشياء في صورتها فيقول المؤلف :


أنكر أرسطو هذه النظرية أشدَّ الإنكار، وأسهب في نقدها، ونحن نقتصر هنا على حجتين من حججه الكثيرة :  الأولى : إنَّ المادة جزء من المحسوسات، فلا يُوجد إنسان مثلا إلا في لحم وعظم، ولا شجر إلا في مادة معينة ، الحجة الثانية : إنَّ من المعاني الكلية ما يدلُّ على أشياء موجودة بغيرها ، فلا يمكن أن يقابلها مثال ( ص ١٠٤ ، ١٠٥ ) 


وفسر الاشياء حسب طبيعتها وصورتها الموجودة في العالم المحسوس كما قال المؤلف :


إنَّ الصورة هي المثال الأفلاطوني أنزله أرسطو من السماء وردَّه إلى الأشياء، فصارت هذه حقائق بعد أن كانت عند أفلاطون أشباحا ومادة تشارك في المُثل ( ص ١٠٦ ) 


فكان مذهب سقراط هو السؤال والتفكيك ومذهب افلاطون هو البحث فيما فوق الاشياء ومنهج سقراط هو تحليل الموجودات بشكل مادي ومنطقي وبعد ذلك تأتي لنا مدارس اخرى في نهاية حقبة الفلسفة اليونانية ظهرت لنا فلاسفات مثل ( الابيقورية ، الرواقية ، مدرسة الاسكندرية ) وكل هذه سوف نتطرق لها فيما بعد ولكن سوف نقفز حتى على الفلسفة المسيحية والاسلام لان التركيز الان هو عن الفلسفة الخالصة التي لم تتأثر بالدين وسوف يكون لها بحث خاص بها وسوف انطلق الى ظهور الفلسفة الحديثة 


قضت الإنسانية تسعة قرون أو يزيد مُردّدة للدراسات اليونانية ومشيدة بذكرها، وبذلت جهدًا عظيمًا في أثناء القرون الوسطى في تفهمها فترجمتها إلى اللاتينية أو العربية، ثم علقت عليها، وشرحتها، أو اختصرتها وهذبتها، وقد نجحت نجاحًا كبيرا في تقسيم هذا التراث العظيم وترتيبه وتبويبه  ( ص ٢٢٩ ) 


وظل العقل الفلسفي هكذا الى ان ظهرت عقول عصر النهضة كما ذكر في الكتاب 


لم تكن النهضة الأدبية الفنية الآنفة الذكر بمعزل عن نهضة أخرى علمية غذتها، وأفسحت لها السبيل، بل لقد كان بين الأدباء والفنانين أنفسهم علماء قاموا ببعض التجارب والملاحظات.  وأضحت الطبيعة شغل الأديب والفنان والعالم على حد سواء، كُل يريد التعبير عنها وتحديد معالمها على طريقته الخاصة، وإذا كان هناك شيء يميز رجال عصر النهضة بوجه عام فهو نزعتهم الطبيعية البالغة حدها  ( ص ٢٤١ ) 


وكان الرجل الذي قام بثورة الشك اخر شخص تتصوره وهو مارتن لوثر الذي ندى بالحرية والاستقلالية : 


وقد تزعم هذه الحركة الإصلاحية الراهب الألماني مارتن لوثر»  (1483-1546 ) الذي ثار ضد صكوك الغفران وبيعها وحمل على الكنيسة وسلطانها ، ونادى بحرية الفرد واستقلاله وقدرته على أن يتصل بربه مباشرة دون حاجة إلى وساطة راهب أو قسيس، خصوصا والإنجيل بعد ترجمته إلى اللغات الأوربية الحديثة أصبح في متناول الجميع ( ص ٢٤٦ ) 


ومنها انطلق المفكرون في انشاء مناهجهم الخاصة وعلى راسهم فرانسيس بيكون فيقول المؤلف :


ولد فرنسيس بيكون بلندن في الثاني والعشرين من شهر يناير سنة (١٥٦١م) من أبوين كريمين، فقد كان أبوه من كبار رجال القانون والسياسة الإنجليزية في القرن السادس عشر، وكانت أمه من أسرة عريقة وعلى درجة من الثقافة الدينية والعلمية لا بأس بها، فأخذت تنشئ ابنها منذ الطفولة تنشئة صالحة ( ص ٢٦٧ ) 


ويمكننا القول ان بيكون هو ابو منهج العلم الحديث لان فلسفته تعتمد في الاصل على التجربة بعد رفضه للقياس ومنهج ارسطو :


ثم جاء بيكون متمما لهذه الشعبة، فحقَّر القياس المنطقي، وحمل عليه حملة قاسية، ولاحظ أنه وسيلة عقيمة في كثير من وجوهه ؛ لأنَّك مضطر أن تسلم بمقدماته تسليما لا يجوز الشَّكُ فيه، ولئن نجح في ربط الأفكار بعضها ببعض؛ فإنَّه لا سبيل له مطلقًا إلى كشف أفكار جديدة، ولا يستطيع إثبات المبادئ العلمية، بل المقدمات والنتائج لديه سواء. أما التجربة ؛ فهي المُعلِّم الصادق، والوسيلة الناجعة ؛ لفهم الظواهر الكونية، ومن شاء معرفة الطبيعة؛ فليرجع إلى الطبيعة نفسها  ( ص ٢٧٦ ) 


وحتى لا اطيل عليكم جاء ديكاردت ومنهج الشك الخاص به وبعد ذلك من الفلاسفة الذين وضعوا مناهج سوف اتحدث عنها بشكل مفصل في وقت لاحق 

ملخص كتاب تاريخ القرآن للمستشرق الالماني ثيودور نولدكه ( الجزء الثاني - تدوين القران )


 


رغم الأهمية التي يعطيها محمّد للتدوين، لا يمكننا أن نتوقّع مقدارًا كبيرّا من الكمال أو أمانة حرفية، أقلّه في مكّة، حيث كان صراعه لكسب اعتراف الناس به مرسلاً من الله صراع حياة أو موت. بسبب الظروف الخارجية الضاغطة، بقي التدوين، حتى ولو كان في نية محمّد منذ البداية، مجرّد مشروعٍ لأكثر من مرّة. ولكن، في وقت مبكّر كان كلّ شيء يحفظ في الذاكرة التي كانت تخون النبيّ في بعض الأحيان. لهذا تراه، في سورة البقرة : ٢. ١٠٠/١٠٦ يعزّي المؤمنين، بقوله إنّ الله سوف يمنحهم بدل كلّ آيةٍ ذهبت ضحّية النسيان آيةً أفضل



عدا التدوين الذي كان محمّد نفسه وراءه، ربما كانت هناك أيضًا عمليات تدوين أخرى تتفاوت في حجمها، قام بها مناصرون غيورون لتعليمه بأنفسهم أو أوكلوا بها أخرين. إلى جانب هذا، كان هناك الحفظ في الذاكرة، الذي كان، في وقت كانت القراءة والكتابة من الفنون النادرة، ذا أهمّية كبيرة. إضافة إلى العدد غير القليل من الصحابة الذين حفظوا غيبًا مقاطع قصيرة، بقدر ما كان هذا ضروريًّا لتلاوة الصلوات، كان هناك أفراد استطاعوا أن يشحنوا ذاكرتهم بمقاطع أطول ويتلوها بأمانة الكتاب، وبهذا استطاعوا أن يحفظوا جزءًا من الوحي، لم يدوّن نصّه أبدًا أو ضاع في ظروف معيّنة، من الفقدان التام.



 إحدى الروايات التي تعود إلى زيد بن ثابت تدّعي أنَّ القرآن، في تلك الفترة، لم يكن قد جمع أبدًا، فإن وراء هذا القول تصوّر آخر يقوم على الأخبار التي تتحدّث عن سخةٍ أنجزها أبو بكر  حسب هذه الأخبار كان الخليفة قد وجد نصوص الوحي مبعثرة ومتفرّقة أو، كما يضيف السيوطي، غير مجموعة في مكان، أو مرتّبة في سور. لا تتفق هذه النظرة تمامًا مع ما توصّلنا إليه من نتائج في الفصول السابقة، حيث قلنا إنّه لم يكن هناك سور فحسب، كانت منذ البداية تشكّل وحدات أدبية، بل أيضًا سورٌ كان محمّد نفسه قد وضعها في أوقات لاحقة انطلاقًا من مقاطع من أصول مختلفة.



لا يمكن للمرء أن يتصوّر إلى أيّ درجة كانت معرفة القرآن يسيرة عند مسلم عاديّ من بدايات الإسلام. فبعد معركة القادسيّة أمر عمر قائد الجيوش سعد بن أبي وقّاص أن يوزّع البقايا الكبيرة من الغنائم على «حملة القرآن». فلما أتى إليه عمر بن معد يكرب، رجل الحرب المشهور، وسئل عن معرفته بالوحي، اعتذر قائلاً إنّه اهتدى إلى الإسلام في اليمن، وكان دائمًا بعد ذلك في الحرب، ولم يكن لديه الوقت الكافي، ليحفظ القرآن غيبًا. أمّا بشر بن ربيعة الذي من الطائف، فأجاب، حين بادره سعد بالسؤال نفسه، بالجملة الافتتاحية، «بسم الله الرحمن الرحيم» .

وحين توجّه إلى الأنصار في معركة اليمامة قائدهم مشرّفًا إياهم بدعوتهم ((أهل سورة البقرة»، أسف أحد المحاربين من طيء لأنّه لا يعرف من هذه السورة ولا آية واحدة غيبًا .



عند المسلمين، كما رأينا، ثلاثة آراء مختلفة، حول نشوء المجموعة القرآنية الأولى . بحسب الرأي الأوّل - وهو التقليد السائد - تمّ هذا الجمع في أيام أبي بكر، وبحسب الثاني في أيام عمر، أمّا بحسب الرأي الثالث فقد بدأ العمل في أيام أبي بكر وانتهى في أيّام خلفه.



إنّ ربط جمع القرآن بمعركة اليمامة ربطٌ ضعيفٌ جدًّا . يشير كتاني .ا) إلى أنّنا نجد في لوائح المسلمين الذين سقطوا في عقربا ممن تنسب إليهم معرفة واسعة بالقرآن، وذلك لأنّهم كلّهم تقريبًا ينتمون إلى صفوف المهتدين حديثًا. ولهذا السبب، ليس صحيحًا أنّ كثيرين من حفظة القرآن سقطوا في هذه المعركة وأنّ أبا بكر كان قلقًا من هذا، كما تدّعي بعض الروايات. ليس من اعتراض على هذا، طبعًا، إذا افترضنا، أن اللائحة التي وضعها كتاني،  والتي تضم ١٥١ شخصًا ممن فقدوا في المعركة، كاملة، وأنّ معرفتنا بحفظة القرآن في ذلك الوقت معرفة كاملة إلى حدّ ما .



لا يساعدنا مضمون الرواية على معرفة ما إذا كان في هذا الخليط من التناقضات والأخطاء شيء من الحقيقة التاريخية. لهذا علينا أن نحاول إيجاد نقاط ارتكاز في شكل الرواية لكي نصل، بتحليل أدبيّ، إلى النواة الأقدم. يدعم العدد الكبير من الروايات أن يكون جمع القرآن مسألة تتعلّق بالدولة.



إنّ الصورة التي نملكها عن وضع تدوينات القرآن بعد موت محمّد شديدة الغموض. إضافة إلى كون هذه التدوينات مبعثرة وغير منظّمة، فقد كانت محفوظةً على أكثر من عشرة أنواع من المواد على الأقلّ. ثمّة ما يثير الريبة في أنّ في الرواية مبالغة كبيرة، إمّا لإبراز جدارة الجامع، أو للتأكيد، بقوّة، على بساطة الزمن القديم .



من السنوات العشرين التي تفصل ما بين موت محمّد ونسخة عثمان، وصلت إلينا، بالإضافة إلى (صحف) حفصة أربع مجموعات شهيرة يقف وراءها الأشخاص الذين تحمل أسماءهم. وربما وجدت نسخ أخرى لم تكن لها هذه الأهميّة، لذلك لم يبق لها أثر في الروايات. تذكر الوثائق أسماء أشخاص أربعة عملوا على المجموعات القرآنية، وهم أبيّ بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والمقداد بن الأسود.



فيما يتعلّق بانتشار النسخ التي تعود إلى هؤلاء الرجال، فقد استعمل الدمشقيون، أو بالأحرى السوريون، قراءة أُبيّ، والكوفيون قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة قراءة أبي موسى، وسكان حمص قراءة المقداد.

 ولا عجب أن نكون نسختا ابن مسعود وأبي موسى قد لاقتا رواجًا في الكوفة والبصرة، وذلك لما لهذين الرجلين من مكانة مرموقة في تلك المدينتين. من جهة أخرى، لا نعرف شيئًا عن علاقة ظاهرة للمقداد بحمص ولأبي بسوريا



من نسخ هؤلاء الرجال لم تصلنا ولا واحدة. لذا، ليس بمقدورنا الإجابة على الأسئلة حول شكلها وترتيب النصّ إلاّ برجوعنا إلى مصادر غير مباشرة. أمّا نسخة المقداد، فلا أثر لها حتى في هذه المصادر. عن أبي موسى لا نعرف إلا ما ورد عنه في «الإتقان)) ١٥٤ ، وهو أنّه ضمّ إلى قرآنه سورًا من أُبيّ، والروايات التي نتحدّث على آيتين لم تردا إلاّ في نسخته



ثمّة أمر ذو أهمّية كبيرة، وهو أنّ مجموعة أبي تحوي سورتين لا نجدهما في النسخة الرسمية. وترد هاتان السورتان تارةً باسميهما الخاصّين، سورة الخلع، وسورة الحفد، وطورًا باسم الاختصار، سورتا القنوت، أو حتى سورة القنوت. أمّا تسميتهما (دعاء القنوت)، أو «دعاء الفجر»



بما أنّ هذه النصوص صلوات شكلاً ومضمونًا، لا يمكن نسبتها إلى الوحي إلا إذا كانت مسبوقة بالأمر (قل»، الذي يستعين به القرآن ليضفي الشريعة على الصلوات - مثل سورة الفلق ١١٣ والناس ١١٤ - وكلام محمّد الذاتي بكونها كلام الله. غير أنّ لفظ ((قل)) يغيب في بداية هاتين السورتين. لكن هذا بالضبط هو احد الاسباب التي تدعونا إلى الشك في أن تكون الفاتحة جزءًا من الوحي.



أمّا المعلومات المتعلّقة بثلاث آيات مفقودة، كانت في قرآن أُبيّ، فمؤكّدة.


تقول الآية الأولى: (لو أنّ لابن آدم واديًا من مال لا بتغى إليه ثانيًا ، ولو أنَّ له ثانيًا لا بتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب)). وردت هذه الآية، كما يظنّ، في سورة يونس ٢٥/٢٤ : ١٠، أو في مكانٍ ما في سورة البينة ١٦٠) ،٩٨) وهو أمر مستحيل نظرًا لاختلاف الفاصلة. كما يصعب إيجاد موضع آخر لها، وذلك لأنّ العبارة المستعملة هنا للإشارة إلى الإنسان، «ابن آدم»، غير قرآنية.


وتقول الآية الثانية: (إنَّ الدينَ عند الله الحنيفيةُ السمحةُ لا اليهوديةُ ولا النصرانيةُ، ومن يفعل خيرًا فلن يكفرَه)). يعتقد أنّ هذه الآية تنتمي إلى سورة البيِّنة ٩٨، وهو أمر غير ممكن لاختلاف المضمون والفاصلة. وهي، على الأرجح، غير أصيلة، فالأسماء المستعملة للإشارة إلى الديانات الثلاث المختلفة غريبة عن القرآن


وتقول الآية الثالثة: ((لا ترغَبوا عن آبائكم، فإنَّه كفر بكم. الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، واللهُ عزيزٌ حكيم)). لا يمكن أن تكون هذه الآية المسمّاة (آية الرجم» جزءًا من سورة الأحزاب ٣٣ - وذلك لاختلاف الفاصلة - أو من القرآن بشكل عام، لأنّ هذه القوانين الجزائية الرهيبة، كما بيّنت آنفًا، لم تظهر إلا بعد موت محمّد



وفي المناسبة عينها تلا أبو موسى، كما يروى، آية أخرى، كانت تنتمي إلى سورة تشبه السور المدعوة «المسبحات)). لا تساعدنا الرواية على أن نعرف ما إذا كانت هذه السورة قد ضاعت، أو أنّ أبا موسى كان يتلو من سورة معروفة في نسخنا، ولكنّ اسمها غاب عن ذاكرته. تقول الآية: ((يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، فتُكتَب شهادة في أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة)) يتطابق الجزء الأوّل من هذه الآية مع سورة الصف ٢ :٦١. أمّا الجزء الثاني فيستحيل أن يكون ورد في سورة الصف ٦١ أو في أيّ من السور المسبِّحات الأخرى، بسبب اختلاف الفاصلة.



ليس من المستبعد، لا بل يرجَّح، أن يكون هناك، بالإضافة إلى المجموعات القرآنية الشهيرة التي تحدّثنا عنها، نسخ أخرى، لم تحظ بشهرة كبيرة، ولذا لم تترك أثرًا في المصادر. أمّا أن يقال مثلاً إنّ بعض رفاق النبيّ، كعليّ، قد رتّبوا السور زمنيًّا، فرواية لا تستحقّ التصديق.ذلك لأنّ هذا الترتيب يفترض فترة عمل

تفسيريّ علميّ طويلة، هذا إذا لم يكن القيام بهذا الترتيب مستحيلاً لأنّ محمّد نفسه، في التدوين الذي أمر به، كان يربط الآيات الحديثة بالقديمة

بحث هذه المدونة الإلكترونية