هل ننجو من الموت ؟ نقاش برتراند راسل لحجج القس بيرنز

 


هل ننجو من الموت ؟ بمعنى هل الموت هو نهاية الطريق ام هناك حياة أخرى ؟ كان هذا السؤال من الأمور التي ناقشها راسل في كتابه ما الذي اؤمن به ولكن قبل الشروع في عرض هذه المناقشة يجب اولاً ان نقول انه منذ البداية لم تكن فكرة الموت تضايق الانسان البدائي نوعاً ما [1] ولكن  مع تطور الحضارات والفكر البشري وسهولة المعيشة اصبح الانسان يتسأل عن الموت واهتمامه بوجود حياة أخرى ام ان الموت هو نهاية المطاف [2]واختلفت الآراء بين الفرق المختلفة عن مفهوم الحياة بعد الموت [3].

 

ويناقش راسل مقال لقس يدعى بيرنز وقد نشر هذا المقال سنة 1936 في كتاب اسرار الحياة والموت 

 

يبدأ راسل في البداية بمناقشة مفهوم الفلاسفة السابقين عن ثنائية الروح والجسد فيقول ( ص 123 ) : 

 

قبل أن نناقش بشكل ملائم ما إذا كنا سنستمر في الوجود بعد الموت، سيكون أمراً حسناً أن نوضح ما معنى أن يكون المرء اليوم ذات الشخص الذي كانه البارحة. اعتاد الفلاسفة القول إن هناك جواهر محددة، الروح والجسد، تدوم من يوم إلى آخر، وإن الروح، ما أن تخلق، حتى تستمر في الوجود إلى الأبد، أما الجسد فيكفّ عن الوجود منذ الوفاة إلى بعث الأجساد. القسم الخاص بالحياة الحالية من هذا التعليم، خاطئ تماماً بالتأكيد. تتغير مادة الجسم باستمرار عن طريق عمليتي التغذية والطرح[4]

 

هنا يعلق راسل على ان مفهوم ان الجسد فاني وان الروح خالدة بعد الموت هو فكر خاطئ لانه في الحقيقة ان الجسد ليس فانياً ولكنه متغير من حالة الي أخرى مثلا يتحول الجسد من تراب ومن تراب الي نبات وهكذا.. 

 

ويكمل راسل في ( ص 124 ) : نجد الشيء نفسه فيما يتعلق بالعقل نحن نفكر ونشعر ونفعل، ولكن لا يوجد بالإضافة إلى الأفكار والمشاعر والأفعال، كينونة صرفة، كالعقل أو الروح، تُحدث أو يحدث فيها هذه الأشياء. الاستمرارية العقلية لشخص ما هي استمرارية العادة والذاكرة، كان يوجد البارحة شخص أستطيع تذكر مشاعره، وأعتبر هذا الشخص ذاتي في اليوم السابق، ولكن في الحقيقة، ذاتي في اليوم السابق ليست إلا حوادث ذهنية معينة أتذكرها الآن وأعتبرها جزءاً من الشخص الذي يعيد تجميعها . ما يشكل الشخص هو سلسة من الخبرات المتصلة عن طريق الذاكرة وعن طريق تشابهات معينة من النوع الذي نسميه العادة. لذلك، إن كنا نؤمن بأن الإنسان سينجو من الموت، يجب أن نؤمن بأن الذكريات والعادات التي تشكل هذا الإنسان سوف تستمر في الظهور في شكل جديد. لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا لن يحصل. ولكن من السهل أن نرى أنه مستبعد ذاكرتنا وعاداتنا مرتبطة ببنية الدماغ، بنفس الطريقة التي يرتبط بها النهر بمجراه 

 

هنا يناقش راسل مفهوم خلود العقل البشري وينظر راسل الي العقل على انه مجرد مخزن فيه الأفكار البشرية من ذكريات وعادات الخ.. وليس شيء ذو كينونة خارقة للطبيعة [5] ويتسأل راسل أيضا بقوله عن ما هو مصير الذكريات فيقول ( . لذلك، إن كنا نؤمن بأن الإنسان سينجو من الموت، يجب أن نؤمن بأن الذكريات والعادات التي تشكل هذا الإنسان سوف تستمر في الظهور في شكل جديد ) بمعنى أوضح ماذا سوف يحدث للذكريات والعادات هل سوف تمحى ام سوف تبقى ؟ لا يوجد إجابة واضحة على هذا السؤال من راسل ( لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا لن يحصل ) ولكنه لم يتهاون في القول بان هذا محال ( ولكن من السهل أن نرى أنه مستبعد ذاكرتنا وعاداتنا مرتبطة ببنية الدماغ، بنفس الطريقة التي يرتبط بها النهر بمجراه ) [6]

 

ويكمل راس في الحديث عن الطبيعة الموت والطبيعة البيولوجية للإنسان فيقول (ص 126) : 

 

أهم هذه الانفعالات الخوف من الموت، وهو خوف مفيد غريزياً وبيولوجياً. إذا آمنا بإخلاص ومن كل قلوبنا بالحياة الآخرة، فسوف نكف تماماً عن الخوف من الموت. ستكون النتائج غريبة، وعلى الأغلب سياسي لها معظمنا. لكن أجدادنا البشر وما قبل البشر قد حاربوا وأبادوا أعداءهم خلال عصور جيولوجية كثيرة واستفادوا من الشجاعة، لذلك فمن المفيد للمنتصرين في الصراع من أجل البقاء أن يكونوا قادرين، عند الضرورة، على التغلب على الخوف الطبيعي من الموت 

 

من هنا نستطيع القول ان الخوف من الموت والحرب من اجل البقاء هم وجهان لعملة واحدة فكما كان الانسان يخاف من الموت لأنه يريد البقاء كذلك كان الانسان يكسر هذا الحاجز من اجل البقاء أيضا بمعنى ان الهدف الأول للإنسان هو البقاء لان طبيعة الكائنات الحية هي الصراع من اجل البقاء على قيد الحياة للتناسل ونقل الجينات لأكبر عدد ممكن الافراد [7]

 

ثم بعد ذلك يذكر لنا راسل اقتباس للاسقف فيقول الاسقف ( لقد تشكل الكون وحكم بواسطة العقل، وسوف يكون من غير المعقول، بعد أن خُلق الإنسان، أن يُترك للفناء ) 

 

يعلق راسل ويقول ( ص 127 ) : 

 

يوجد العديد من الردود على هذه الحجة. في المقام الأول، لقد توصلنا إلى أن تدخل القيم الأخلاقية أو الجمالية في الأبحاث العلمية حول الطبيعة يشكل عائقاً أمام الاكتشافات. لقد ساد الاعتقاد بأن الأجسام السماوية يجب أن تتحرك بشكل دائري لأن الدائرة هي الشكل الأكمل، وأن الأنواع يجب أن تكون غير قابلة للتغير لأن الله لا يخلق إلا ما هو كامل وبالتالي لا يحتاج عمله إلى أية تحسينات، إنه أمر غير مفيد أن نحارب الأوبئة إلا بالتوبة لأن الله قد أرسلها كعقاب لخطايانا.. الخ. بكل الأحوال، لقد توصلنا، ضمن معلوماتنا الحالية، إلى أن الطبيعة لا تبالي بقيمنا وأننا لا نستطيع فهمها إلا إذا تجاهلنا أفكارنا حول الخير والشر. قد يكون للكون غاية ما ، لكن لا شيء مما نعرفه يجعلنا نفترض، إذا كان للكون غاية فعلاً، أن هذه الغاية سوف تكون مشابهة لغاياتنا [8]

 

هنا يذكر راسل مفهوم المثالية ان الكون نشئ بشكل جمالي ولكن هذا المنظور كان له اثار بالسلب كما يذكر راسل ان هذه الفكرة تجعل البشر متأخرين في التقدم العلمي ( ، لقد توصلنا إلى أن تدخل القيم الأخلاقية أو الجمالية في الأبحاث العلمية حول الطبيعة يشكل عائقاً أمام الاكتشافات ) على العكس فقد تعيق هذه النظرة انقاذ أرواح البشر كما ذكر راسل أيضا ( إنه أمر غير مفيد أن نحارب الأوبئة إلا بالتوبة لأن الله قد أرسلها كعقاب لخطايانا ) 

 

ويرد راسل أيضا في ( ص 127 ) على حجة الصواب والخطأ فيقول : 

 

يخبرنا الدكتور بيرنز أن الإنسان يعرف الصواب والخطأ». ولكن، في الحقيقة، وكما ترينا الأنثروبولوجيا، تختلف مفاهيم البشر حول الصواب والخطأ إلى درجة أننا لا نجد نقطة ثابتة تماماً. لذلك، لا نستطيع القول إن الإنسان يعرف الخطأ والصواب، لكن بعض الناس فقط يعرفون الخطأ والصواب 

 

بمعنى أوضح ان مفهوم الصواب والخطأ عند راسل ليس حجة لأنه من خلال دراسة الحياة البشرية نجد انه لا يوجد حقاً ثوابت للقواعد لأنها تتغير بتغير الزمان والجغرافية ونضيف أيضا على قوله انه يكون أيضا للبيولوجيا يد في ذلك [9]

 

لذلك نستطيع انه بالفعل لا يوجد شيء واضح امامنا نستطيع ان نقول بالدليل القاطع ان هذا الشئ هو إشارة حقيقية للحياة بعد الموت ولكن هذا لا يعني رفض راسل المطلق لوجود حياة بعد الموت فهو أيضا قال في نفس الكتاب 

 

( بالنسبة إلي، لا أعتقد أنه هناك أي سبب جيد كي نؤمن بالحياة بعد الموت، ولكنني جاهز للاقتناع بها إن ظهر الدليل الكافي ) 



[1]  ( فإذا كان الإنسان البدائي لا يبدى اهتماما بسبب الموت، فان ذلك يرجع إلى أنه يعرف بالفعل كيف يحل الموت … الموت إذن، بالنسبة للإنسان البدائي، هو نتاج عمل عدو أو تأثيره الشرير سواء في شكل إنساني أو روحاني ( الموت في الفكر الغربي - ص ١٦ )

[2] JOURNAL ARTICLE DEATH-CONSCIOUSNESS AND CIVILIZATION JOHN T. MARCUS  Vol. 31, No. 3 (AUTUMN 1964)

[3]  راجع في هذا الصدد كتاب الموت والوجود لجيمس كارس لان الكتاب ناقش الأفكار المختلفة حول الموت عند الشعوب

[4]  لم يقل بهذا الكلام كل الفلاسفة السابقين لأننا نجد ابيقور الذي رفض فكرة الخلود من الأصل ( كان يأمل أن يحرر الإنسان من الخوف من الموت برفضه لفكرة الخلود: ما السبب الذي يجعلنا نخاف من الموت في حين أنه انطفاء محض، غياب لكل وعي وشعور عندما لا يكون هناك حكم ولا دينونة، ولا عقاب ينتظر المرء في العالم الآخر ..؟ «الموت لا شيء بالنسبة إلينا، لأن ما ينحل يخلو من القدرة على الإحساس، وما يخلو من القدرة على الإحساس هو عدم بالنسبة لنا .. »  ( موسوعة تاريخ الفلسفة – فردريك كوبلستون – الملجد الأول , ص 538 , 539 ) 

[5]  في مثل هذه الجزئية نستطيع القول ان هناك نقاش حاد بين المؤمنين وغير المؤمنين وهو ان العقل ما هو الا مجموعة من الخلايا العصبية ومن يقول انه ابعد من ذلك وان الدماغ اكبر من ان يكون مجرد خلايا عصبية ( Understanding Brain, Mind and Soul: Contributions from Neurology and Neurosurgery - PMC (nih.gov) ) ولكن هذا يفتح أيضا نقاش اخر وهو هل الوعي هو الروح ؟ او بمعنى اصح ماهي الروح وهل هي الوعي البشري ؟ في الحقيقة ان كانت الروح هي الوعي فالحيوانات أيضا لديها وعي ( لقد قدمت حججاً نظرية وتجريبية لتدل على أن الوعي مشترك عبر جميع الثدييات. حيث جادل كل من (2005) Seth Baars, Edelman بأن العمليات العصبية الضرورية للوعي البشري أي النشاط الارتجاعي الواسع الانتشار في المجمع القشري المهادي [thalamo-cortical-complex] - تتضمن أجهزة تشريحية مشتركة بين جميع الثدييات وربما على نطاق أوسع ( موسوعة في صحبة الوعي – ص 133 ) وهنا نأتي لتسأل سفر الجامعة ( "مَنْ يَعْلَمُ رُوحَ بَنِي الْبَشَرِ هَلْ هِيَ تَصْعَدُ إِلَى فَوْق؟ وَرُوحَ الْبَهِيمَةِ هَلْ هِيَ تَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ، إِلَى الأَرْضِ؟" (جا 3: 21) ويجب السفر على هذا التساؤل بالاتي في النصوص التي قبل التساؤل ( "لأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِبَنِي الْبَشَرِ يَحْدُثُ لِلْبَهِيمَةِ، وَحَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمْ. مَوْتُ هذَا كَمَوْتِ ذَاكَ، وَنَسَمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْكُلِّ. فَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَهِيمَةِ، لأَنَّ كِلَيْهِمَا بَاطِلٌ." (جا 3: 19) 

[6]  في هذه الجزئية يجعلنا راسل نفكر فما هو الذي سوف يخلد بالضبط ؟ هل سوف يخلد الدماغ البشري الذي كان صفحة بيضاء ثم بعد ذلك تم الكتابة عليه كما قال جون لوك أولاً ـ تدخل الحواس أفكاراً ،بعينها، ثم تقدم الإطار الذي ما يزال فارغاً ، وبالتدريج يعمل الذهن على التآلف مع بعضها، بحيث تستقر في الذاكرة، وتعطي لها تسميات. بعد ذلك يمضي الذهن قدماً، فيجعلها مجردة، وبالتدريج يتعلم استخدام الأسماء العامة ( الاعمال الكاملة لجون لوك – ص 134 ) ام ان هناك في الانسان شيء ميتافيزيقي هو الذي سوف يخلد وهو مختلف عن الدماغ البشري وهذا الشئ الذي لا نعرف اكان موجوداً ام لا 

[7]  هذا ما ناقشه ريتشارد داوكينز في كتابه الجين الاناني 

[8]  في مفهوم الغاية قد تناقش فيها اسبينوزا مسبقاً حين قال ( " الطبيعة لا تعمل مستهدفة غايةً ما؛ ذلك لأن الكائن الأزلى اللامتناهي، الذي نسميه الله أو الطبيعة، يسلك وفقاً لنفس الضرورة التي يوجد بها... أي أن السبب أو العلة التي تجعل الله أو الطبيعة موجوداً، والسبب الذي يجعله يسلك، هو سبب واحد...وليس لوجوده ولفعله أصل ولا غاية؛ ومن ثم فإن العلة التي تسمى غائية ليست إلا الرغبة البشرية، بقدر ما تعد أصلاً أو علة لأي شيء. وبعبارة أخرى، فإن نفس القوانين التي تستخلص من السير الفعلي للطبيعة، هي ذاتها ما يُسمي بقوانين المسلك الإلهي، ومن المحال أن تستهدف الطبيعة أي غاية أو هدف، بل أن مسارها كله ضروري، ومستمد من ضرورة وجودها فحسب ) راجع كتاب اسبينوزا – فؤاد زكريا - ص 93 

[9]  في مثل هذا الموضوع سيكون لنا مقال في مناقشة موضوع الاخلاق والصواب والخطأ بالتفصيل

الإنسان الوحش

 


صراع الانسان مع اخيه الانسان كان منذ القديم فنعرف عن الانسان انه قبل ٧٠ الف سنة قرر الانسان العاقل اجتياح العالم ومن خلال ذلك قتل اخوته من البشر الاخرين مثل انسان النياندرتال وانسان رودولف وانسان دينيسوفا الخ.. من خلال التزاوج او المنافسة على الموارد ووصل الامر الي الابادة الاجماعية فكان الانسان منذ ظهوره قاتلاً لاخيه بالفطرة ونستطيع ان نرى ذلك في قصص الحضارات القديمة ومنها القصة المشهورة عن قايين وهابيل


وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ،" (تك 4: 3). وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ،" (تك 4: 4). وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ." (تك 4: 5). فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟" (تك 4: 6). إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا»." (تك 4: 7). وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ." (تك 4: 8). فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟» فَقَالَ: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟»" (تك 4: 9). فَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ." (تك 4: 10)



ومن هنا نرى كيف الانسان يقتل اخيه الانسان بدم بارد ويصرخ الدم المسكوب من المقتول المسكين ويرتفع صوته الى السماء وقد وصفت الكتابات اليهودية ان هذا القتل لم يكن مجرد موت انسان ولكن موت عالم كامل فيه 


هذا ما نجده في شأن قاين الذي ذبح أخاه، لأنه مكتوب : دماء أخيك تصرخ ( تك ٤ : ١٠). لم يقل : دم أخيك، بل دماء أخيك، دمه ودم خلفه . إذا ، لقد خُلِقَ إنسان واحد على الأرض ليعلمنا أنه إذا أمات أحد نفسا واحدة في إسرائيل، يعتبره الكتاب المقدس مسؤولاً عن عالم بأكمله . وإذا صان أحد نفسا واحدة في إسرائيل، يعتبره الكتاب المقدس مسؤولا عن الحفاظ عن عالم بأكمله  


والموقف نفسه يجعلنا نقع في الحيرة اين الله من كل هذا وهذه الحيرة التي تجعلنا نقف عاجزين عن التصديق كما تساءل ايضا حاخامات اليهود


 قَالَ رَابِي شِمْعُونُ بْنُ يُوحَايْ: أَمْرٌ يَصْعُبُ قوْلُهُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الفَمِ تَفْسِيرُهُ: مُصَارِعَانِ ٱثْنَانِ وَقَفَا أمَامَ المَلِكِ لِيَتَصَارَعَا؛ قَلَوْ شَاءَ المَلِكُ لَفَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَصْلَهُمَا؛ فَاسْتَقْوَى وَاحِدٌ عَلَى غَرِيمِهِ وَقَتَلَهُ؛ فَحِينَهَا صَرَخَ وَقَالَ: مَنْ يَطْلُبْ لِي حَقِّي مِنَ المَلِكِ ١٣٢؟ هُكَذَا: "صَوْتُ دِمَاءِ أَخِيكَ تَصْرُخُ إِلَيَّ مِنَ التُرَابِ". تَفْسِيرٌ آخَرُ: هَكَذَا قَالَ قَبِينُ: "أَحَارِسٌ لأَخِي أَنَا؟"(تك ٩ :٤) - أَنْتَ هُوَ حَارِسُ كُلِّ البَرَايَا، وَتَطْلُبُهُ مِنَ يَدِي؟ يُشْبِهُ هذَا الأَمْرُ سَارِفًا سَرَقَ أَوَانِيَ فِي اللَّيْلِ، وَمَا قُبِضَ عَلَيْهِ؛ وَفِي الصَّبَاحِ أَمْسَكَ بِهِ البَوَّابُ وَسَأَلَهُ: لِمَ سَرَقْتَ الأَوَانِيَ؟ أَجَابَهُ: أَنَا سَارِقٌ وَلَمْ أَتَّخَلَّ عَنْ مِهْنَتِي، وَلَكِنَّكَ أَنْتَ وَمِهْنَتُكَ حِرَاسَةُ البَابِ، لِمَ تَخَلَّيْتَ عَنْهَا؟ 


فكما قال سارتر ان الجحيم هو الاخرون فليست النار الابدية ولا الدود ولكن غرفة واحدة فيها بشر مع بعض الى الابد تتحول الي جحيم حقيقي وهذا عبر عنه الانسان طوال فترة وجوده على هذه الارض فهو الوحش المختفي في زي انسان او بالاحرى هو الانسان الذي تلبس جلود الوحوش كما قال اغسطينوس


  [آدم وحواء] ، اللذان جُردا من لباسهما الأول [من البراءة] ، استحقاهما بملابس الجلد المهلكة. لأن الشرف الحقيقي للإنسان هو أن يكون صورة الله ومثاله محفوظين فقط فيما يتعلق بمن يُعجب به. ومن ثم ، فهو يتشبث بالله كثيرًا ، ويقل حبه لما هو خاص به. ولكن من خلال الرغبة في إثبات قوته ، يسقط الإنسان بإرادته على نفسه وكأنه نوع من المركز [البديل]. وبما أنه يرغب بالتالي في أن يكون مثل الله ، ومن ثم لا يكون تحت أي شخص ، فإنه كعقوبة يُطرد أيضًا من المركز ، الذي هو نفسه ، إلى الأعماق ، أي إلى الأشياء التي تسعد بها الوحوش. وهكذا ، بما أن الشبه بالله هو كرامته ، فإن الشبه بالوحوش هو عاره


وكان هذا الوحش الداخلي تنتابه حمى الجشع والطمع في النفوذ والسيطرة وأحياناً يحاول ان يحمي نفسه فكما ذكر المرشال مو نتجمري


هناك حقيقة واضحة بأن الحرب هي الحكم النهائي عند ما تفشل جميع الجهود العلمية الموصول الى اتفاق ، وهذا الحكم يستند على القوة والعنب أكثر من استفاده على الحق ، بالرغم من وضوح الحق في أغلب الأحيان .  


والحروب لها أشكال وأسباب ولكنها تختلف حسب أماكن وقوعها في بلدان العالم .  فالبدو الرحل مثل جماعات الماجيار  تنحصر حروبها فى البحث عن المناطق الغنية بالمراعي ، لسلبها والاستيلاء عليها بالقوة بينما نشبت الحرب الفارسية لأنقاذ اليونان ، وبالتالى لأنقاذ أوروبا من الأرهاب الأسيوى. 


ونجد أن الحرب هي التي أقامت الأمبراطورية الرومانية ، وأيضاً ساهمت في دمارها  وما حدث للأمبراطورية الرومانية تكرر مع الأمبراطورية الألمانية التي أنشأها بسمارك 


 وقد حدث فى فترة من الزمن أن الدين كان من الأسباب الرئيسية لنشوب الحروب ، ولم تقتصر على دول معينة بل أمتدت لتصبح عالمية تقريباً . أما فى العصر الحديث فنجد أن مصادر الثروة للقوى الاستعمارية تكمن فى المستعمرات التي أستولت عليها بقوة السلاح ، وقد خلقت هذه الثروات منازعات بل ومنافسات تجارية بين هذه الدول مما أدى إلى دخولها في صدام مسلح 


واحيانا يقوم الانسان بهذه الامور فقط من اجل التسلية فهو يقضي على اخيه الانسان من اجل انه يريد ان يفعل ذلك 


في فبراير عام ١٩٥٩ ، قبلت امرأة شقراء جميلة تدعى «بنی چور کلاند. عرضاً من رجل متزوج من كاليفورنيا أن يقوم بتوصيلها بسيارته . وبدون أى سبب أو إزعاج من جانب الرجل ، أخرجت مسدسا كان معها وأطلقت عليه إثنتي عشرة رصاصة داخل السيارة . بعد القبض عليها صرحت بأنها كانت تجرب إن كان بإمكانها أن تقتل أحداً دون أن تشعر بتأنيب ضمير»، ووجد الأطباء النفسيون أنها عاقلة تماماً وتعى ما تفعل . 


وفى أبريل عام ١٩٥٩ أطلق رجل يدعى نورمان سميث الرصاص على امرأة ) كانت تجلس داخل منزلها تشاهد التليفزيون ( من نافذة المنزل المفتوحة ، لم يكن يعرفها ، فقط أحس برغبة قوية تعتريه أن يفعل ذلك بعد أن شاهد برنامجا في التليفزيون اسمه «القناص » 


فهل وجد الانسان فقط لكي يفسد ويدمر ؟ وهنا يحضرني قول الملائكة في الادب اليهودي برفضها لخلق الانسان لعلمها بانه سيفسد في الارض


ملاك الحق عارض ذلك لأن الإنسان سوف يكون مليئا بالأكاذيب، وبالرغم من أن ملاك العدل حبذ ذلك، لأنه سوف يمارس العدل، إلا أن ملاك السلام قاوم ذلك. لأن الإنسان سوف يكون كثير الاقتتال.  ولكي يبطل احتجاجه، ألقى الله بملاك الحق من السماء إلى الأرض، وعندما صاح الآخرون احتجاجا على تلك المعاملة المهينة لزميلهم، قال: "الحق سوف يعود من الأرض". كان يمكن لاعتراضات الملائكة أن تكون أقوى بكثير ، لو أنها عرفت كل الحقيقة عن الإنسان. كان الله قد ذكر لهم فقط عن الأتقياء، وأخفى عنهم أنه سوف يكون هناك فاسدون بين البشر أيضًا. ومع ذلك، ومع أنهم لم يعلموا سوى نصف الحقيقة، إلا أن الملائكة بالرغم من ذلك كان لديها حافز قوى لكي تصيح قائلة: "من هو الإنسان حتى تذكره ؟ وابن آدم حتى تفتقده ؟"


ولكن جاء الانسان الي الوجود متسائلاً عن معنى الوجود فهل هو هنا ليصبح الوحش او الانسان ، من هو انا هل انا الشيطان ام الملاك ام انا ملاك ساقط وتحولت الي شيطان ( كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟(إش 14: 12) فهل الانسان وجوده من اجل ان يكون وحش كما كان يعلم نيتشه (  أما التضاد بين (خيّر) و«شرير) فهو ذو أصل آخر. يُحتقر الجبان والخائف والصغير النفس والحريص على المنفعة الضيّقة؛ وكذلك المرتاب بعينه الشزراء والمتذلّل، أي الإنسان الكلب المستسلم للتنكيل، والمتزلّف المتوسّل. وأكثر من كل شيء يُحتقر الكذّاب: العامة كذّابة )   او وجود الانسان على صورة الله ومثاله واذا اتبع تعاليم يسوع ( وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،" (مت 5: 44) 


فيسقط الانسان البائس في هاوية الحيرة باحثاً عن اجابة من انا وما اكون وماهي الانسانية 


المراجع


كتاب العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري


كتاب قاين وهابيل – التكوين 4 – دومينيك سربيلو وجيلبير داهان


كتاب الأجداه ج1 – تفسير أسفار التوراة – سلسلة الأدب الرابيني 5 – الأب إيميل عقيقي


مسرحية لا مخرج - سارتر 


Louth, A., & Conti, M. (2001). Genesis 1-11. Ancient Christian Commentary on Scripture OT 1. (98). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press ) 


كتاب الحرب عبر التاريخ - الجزء الاول


كتاب التاريخ الإجرامي للجنس البشري - سيكولوجية العنف البشري -  كولن ولسون


اساطير اليهود - لويس جينزبيرج -  الجزء الاول 


فريدريش نيتشه - ما وراء الخير والشر تباشير فلسفة للمستقبل - ترجمة جيزيلا فالور حجار

بحث هذه المدونة الإلكترونية