يحتل الدين جزء كبير من حياة الإنسان فحسب ما جاء في مقال على الموسوعة البريطانية بعنوان List of religious populations أنه في عام 2020 وصل عدد المتدينين أو المؤمنين بالأديان إلى (7,840,952,000) فالدين هو جزء أساسي من حياة الأنسان بشكل أو بأخر ولكن السؤال الأدق هنا كيف بدء الدين ؟
يذكر لنا الفيلسوف ومؤرخ الاديان Mircea Eliade في كتابه تاريخ المعتقدات والافكار الدينية - ترجمة عبد الهادي عباس - الجزء الاول - ص 20 :
" عاش أناس العصر الحجري ، على الصيد البري ، والبحري وعلى الجمع . غير أن الدلالات الأولية للحفريات المتعلقة بالعالم الديني لصياد من العصر الحجري ، ترجع للفن الجداري في الكهوف (ثلاثين ألف قبل المسيح ) "
فمن خلال هذا يمكننا يمكننا ان نرى طبيعة الدين عند إنسان ما قبل الحضارة بمعنى أدق
صورة لكائن نصفه حيوان ونصفه إنسان في رسم كهفي من العصر الحجري القديم في دوردوني، فرنسا
ويكمل أيضا Mircea Eliade في نفس الكتاب ص - 22 ويقول :
" إن الوثائق الأكثر قدما والأكثر عددا، هي بوضوح، عظام الموتى. فيبدأ من الفترة الموستيرية moustérien (70,000 - 50,000 ق.م). يمكن الكلام بشيء من اليقين عن المقابر. إلا أنه قد وجدت جماجم وفكوك سفلى في مراكز أقدم قدما، مثلا في شو - كو - تيين [في اوربا] تعود الى ما يقرب من 300,000 - 400,000 ق.م. وقد طرح وجودها العديد من المسائل. ولعلها لا يتعلق بالمقابر، فإن حفظ هذه الجماجم يمكن أن يفسر بأسباب دينية "
ومن هنا يمكننا الإنطلاق ونطرح سؤلاً اكثر عمقاً : هل ظهر الدين بسبب خوف الإنسان من الموت ؟ يجيب الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ في كتاب محاضرات حول جوهر الدين - ترجمة نبيل فياض - المقدمة :
" لكن الأكثر حساسية، الأكثر إيلاماً بين مشاعر التناهي عند الإنسان هو الشعور أو الوعي بأنه سينتهي ذات يوم، سوف يموت. لو لم يكن الإنسان ليموت، إذا عاش إلى الأبد، فسوف لن يكون هنالك دين "
فيمكننا القول أنه بحسب هذا الشرح الذي اؤكد من خلال الاكتشافات الاثرية أن السبب الرئيسي لظهور الدين كان هو " الموت " فالموت هو شبح ظل يطارد الإنسان إلى الأن فكما يذكر الفيلسوف والمؤرخ البريطاني Arnold J. Toynbee في كتابه الانسان وهموم الموت - ترجمة عزت شعلان - ص 100 :
" إن أقدم الآثار المقدسة وأكثرها وأعظمها عند أسلافنا تتعلق بالجنائز. فقد كانت أجساد الموتى من الكائنات البشرية فى أزمنة وأماكن مختلفة محل تكريم بطرق مدهشة مختلفة، حيث كانت تُدفن في مدافن أو مقابر أو تحت قباب أو في أهرام. وكانت تُحرق فوق المحرقة، ويُحفظ الرماد في قوارير ، أو يلقى حيث تذروه الرياح "
| أقدم دفن بشري في إفريقيا يعود تاريخ هذا الدفن إلى 78,000 سنة، وقد عثر عليه علماء الآثار في كهف بانغا يا سايدي، وهو موقع كهفي على ساحل كينيا |
فمن خلال هذه الأكتشافات نستطيع القول أن سبب ظهور الدين هو الموت ونستطيع أن نرى هذه الفكرة تطورت في الحضارات الاولية التي أقامها الإنسان من أهمها الحضارة المصرية القديمة كما قال عالم المصريات الأمريكي جيمس هنري برستد في كتابه فجر الضمير - ترجمة سليم حسن - ص 79 :
" والواقع أنه لا يوجد شعب قديم أو حديث بين شعوب العالم احتلت في نفسه فكرة الحياة بعد الموت المكانة العظيمة التي احتلتها في نفس الشعب المصرى القديم. ومن الجائز أن ذلك الاعتقاد الملح فى الحياة بعد الموت كان يعضده كثيرًا ويغذيه تلك الحقيقة المعروفة عن ترية مصر ومناخها وهي أنها تحفظ الجسم الإنساني بعد الموت من البلى إلى درجة لا تتوافر فى أى بقعة أخرى من بقاع العالم "
وما جاء بعد ذلك من أول الأديان الأبراهيمية وهي اليهودية التي ذكر فيها الدفن كتقليد عن مؤسسها الأساسي إبراهيم
" وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِنِي حَيَاةِ سَارَةَ. وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا. وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلًا: «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي»." (تك 23: 1-4) "
وترجع أيضا اسطورة يهودية إلى أن أصل الدفن ظهر مع أحد أبناء الشخصية أدم كما نقل لينا الأب إيميل عقيقي في كتابه الأجداه - الجزء الاول - ص 118 , 119
" عِنْدَمَا قُتِلَ هَبِيلُ أُلْقِيَ فِي الحَقْلِ وَدَمُهُ مَسْكُوبٌ عَلَى الخَطَبِ وَعَلَى ضَانَ هَبِيلَ، كَانَ يَحْرُسُ جُنَّتَهُ الحِجَارَة؛ وَالكَلْبُ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُ مِنْ حَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ وَطَيْرِ السَّمَاءِ. حَضَرَ آدَمُ وَعَوْنُهُ ، وَجَلَسَا مُقَابِلَهُ، بَاكِيَيْنِ وَحَزِينَيْنِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَا يَعْلَمَانِ مَاذَا يَفْعَلَانِ بِهِ. فَإِذَا بِغُرَابِ مَاتَ رَفِيقُهُ يَقُولُ : أَنَا أُعَلِّمُ آدَمَ هَذَا مَا يَجِبُ فِعْلُهُ. تَنَاوَلَ رَفِيقَهُ وَحَفَرَ فِي الأَرْضِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمَا وَدَفَنَهُ. قَالَ آدَمُ: كَهْذَا الغُرَابِ تفْعَلُ. لِلْحَالِ تَنَاوَلَ جُنَّةَ هَبِيلَ وَدَفَنَهَا فِي الْأَرْضِ. (فرق"إلع ٢١؛ يلق"شمع، في البدء ٣٨) "
ومن خلال أقدم التقاليد اليهودية نجد عندهم حفظ عظام الموتى كما جاء في قصة يوسف
" وَاسْتَحْلَفَ يُوسُفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: «اللهُ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا»." (تك 50: 25) ثُمَّ مَاتَ يُوسُفُ وَهُوَ ابْنُ مِئَةٍ وَعَشَرِ سِنِينَ، فَحَنَّطُوهُ وَوُضِعَ فِي تَابُوتٍ فِي مِصْرَ." (تك 50: 26) وَأَخَذَ مُوسَى عِظَامَ يُوسُفَ مَعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَحْلَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحَلْفٍ قَائِلًا: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا مَعَكُمْ»." (خر 13: 19) "
واستمر تقليد صندوق العظام هذا معهم وصولاً الى القرن الأول الميلادي
| صندوق عظام قيافا |
فمن خلال ما طرح هنا نجد أن التسلسل الطبيعي لظهور الدين هو السؤال الأساسي عن الموت فبداية من أديان ما قبل التاريخ مروراً الى الحضارات الاولى ثم الأديان الإبراهيمية نجد أن عامل الموت ودفن الموتى له أحترامه فهي عادة مورثة من الأسلاف الأوائل